للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مات تحت الضرب الذي جاوز ألف مقرعة، في عاشر صفر من هذه السنة، ودُفن بالقرافة، وقيل إنه نقل إلى الشام بعد ذلك. (وكان) ابتداء أمره تاجرًا، ثم ولي الحسبة بدمشق بسفارة تقي الدين بن توبه (١)، ثم كان يُعامل الملك الأشرف قبل السلطنة فظهر منه على عدل وصدق، فلما ملك بعد أبيه المنصور استدعاه من الحج فولّاه (٢) الوزارةَ، وكان يتعاظم على أكابر الأمراء ويسميهم بأسمائهم، ولا يقوم لهم، فلما قتل أستاذه الأشرف (٣) تسلموه بالضرب والإهانة وأخذ الأموال، حتى أعدموه حياته، وصبروه (٤) وأسكنوه الثَّرى، بعد أن كان عند نفسه قد بلغ الثُّريا، ولكن حقًا على الله أنه ما رفع شيئًا إلا وضعة (٥).


= والوافي بالوفيات (٤/ ٨٦) والنجوم الزاهرة (٨/ ٥٣ و ٥٤) والدليل الشافي (١/ ٦٥٢) بن أبي الرجاء، وشذرات الذهب (٧/ ٧٤١).
(١) ب: بسفارة الصاحب تقي الدين توبة. وسترد ترجمته في وفيات ٦٩٨ هـ.
(٢) ب: قبل السلطنة فلما تملك بعد أبيه من الحج وولاه.
(٣) ب: قتلوا الأشرف.
(٤) ب: وصبره.
(٥) بعدها في ب الحاشية التالية:
حاشية: نكتة وفضيحة على المنجمين.
وذلك أن يعقوب بن إسحاق الكندي رئيس صناعتهم في زمانه زعم أنّ انقضاء مدة هذه الأمة تكون في سنة ثلاث وتسعين وستمئة. وادَّعى كما ذكره من الجُمَّل أن ذلك مقتضى ما تستحقه الحروف المقطعة المذكورة في أوائل سور القرآن من الجُمَّل الكبيرة، وهي أربعة عشر حرفًا بعد حذف المكرر فذاك ستمئة وثلاثة وتسعون من العدد، وقد وافقه غيره ممن يدّعي علم الحرف فكذبوا وافتروا وفضحوا أنفسهم وصناعتهم، وبرهنوا على جهلهم وقلة عقلهم، كما زعم هذا وأصحابه من المنجمين أن نجم هذه الأمة بالزهرة، وأن نجم النصارى بالمشتري، وهذا في غاية ما يمكن أن يكون من الجهل البليغ فإن صناعتهم تقتضي أن من نجمه بالزهرة يكون في غاية اللعب واللهو ولا يعرف في الطوائف كلها من سائر أجناس بني آدم أنه أكمل من هذه الآية في علومها وعبارتها وصحة فهومها وتضامنها وتحريرها إلى معاينة سائر العلوم العقلية والنقلية وغير ذلك كما هو مشاهد معروف. وأما من نجمه المشتري فهو عندهم يدل على العلم والعمل ولا يعرف أنه أجهل من النصارى، وإن كان في بعضهم عبادة ودأب، فهم كما قال بعض الفضلاء من العقلاء: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولًا. وهم إما يقلدون من سلف من جهالهم وضلالهم فيما أضلوه لهم من التثليث وجعل الواحد ثلاثة والثلاثة واحدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ولهذا قال أبو نصر الفارابي في صناعة النجم: لو حيل النحس سعدًا والسعد نحسًا وعكست عليهم جميع أوضاعهم لمست صناعتهم على ذلك فدل ذلك على أن صناعتهم إنما هي مبنية على الظن والتخمين والجهل والافتراء والله أعلم.
وقد رأيت في كلام شيخنا العلامة أبي العباس أحمد بن تيميّة في كلام له على المنجمين أن الكلام في النجوم مقسم أقسامًا: فمنه ما ذكره الله في القرآن أنه تعالى جعلها زينة للسماء ورجومًا للشياطين وعلامات يُهْتَدى بها في ظلمات البر والبحر.
قال قتادة وغيره: فمن رام منها غير ذلك فقد تكلف وقال ما لا علم له به. =

<<  <  ج: ص:  >  >>