للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عند قاضي القضاة ابن جماعة وعنده جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: إنَّ الدولة ما ترضى إلا بالحَبْس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التُّونسي المالكي وأُذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدَّين الزَّواوي المالكي فتحيَّر، فلمَّا رأى الشَيخُ توقُّفَهم في حبسه قال: أنا أمضي إلى الحبس وأتَّبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدّين الزواوي: يكون في موضع يصلح لمثله. فقيل له: الدولة ما ترضى إلا بمسمَّى الحبس، فأُرسل إلى حبس القضاة في المكان الذي كان فيه تقي الدَّين ابن بنت الأعز (١) حين سجن، وأُذن له أن يكون عندَه من يخدمه، وكان ذلك كله بإشارة نصر المَنْبجي لوجاهته في الدولة، فإنّه كان قد استحوذ على عقل الجَاشْنَكير الذي تسلطَنَ فيما بعد، وغيره من رجال الدولة، والسُّلطان مقهور معه، واستمرَّ الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب عليها بما يحيِّر العقول من الكتاب والسُّنَة. ثم عقد للشيخ مجلس بالصالحية بعد ذلك كله، ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير، وأكب الناس على الاجتماع به ليلًا ونهارًا.

وفي سادس رجب باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني نظر ديوان المارستان (٢) عوضًا عن يوسف العجمي توفّي، وكان محتسبًا بدمشق مدة فأخذها منه نجم الدين بن البُصْراوي (٣) قبل هذا بستَّة أشهر، وكان العجمي موصوفًا بالأمانة.

وفي ليلة النصف من شعبان أُبطلت صلاة ليلة النصف لكونها بِدعة، وصين الجامع من الغوغاء والرّعاع، وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة.

وفي رمضان قدم الصدر نجم الدين البصراوي ومعه توقيع بنظر الخِزَانة عوضًا عن شمس الدين الخطيري (٤) مضافًا إلى ما بيده من الحِسْبة.

ووقع في أواخر رمضان مطر قويٌّ شديد، وكان الناس لهم مدّة لم يُمطروا، فاستبشروا بذلك، ورَخُصت الأسعارُ، ولم يمكن الناس الخروج إلى المصلَّى من كثرة المطر، فصفُوا بالجامع، وحضر نائبُ السلطنة فصلَّي بالمقصورة.

وخرج المحمل (٥)، وأمير الحج عامَئذٍ سيفُ الدّين بَلَبَانُ البَدريُّ التَّتَري (٦).


(١) هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب، ولي الوزارة مع القضاء ثم استعفى من الوزارة، امتحن على يد شمس الدين بن السلعوس، ثمّ نجاه الله. مات سنة (٦٩٥ هـ) انظر ترجمته في "فوات الوفيات" (٢/ ٢٧٩) و "النجوم الزاهرة، (٨/ ٨٢).
(٢) في ب: البيمارستان النوري.
(٣) هو: محمد بن عثمان البصراوي، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٣ هـ).
(٤) هو: عبد القادر بن يوسف. سيأتي في وفيات سنة (٧١٦ هـ).
(٥) في ب: المحمل السلطاني.
(٦) هو: أحد مقدمي الألوف بدمشق، حجَّ سنة (٧٠٧ هـ) وتوفى يوم عيد الفطر سنة (٧٢٧ هـ).

<<  <  ج: ص:  >  >>