للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي ليلة سلخ صفر توجه الشيخ تقي الدين بن تيمية من القاهرة إلى الإسكندرية صحبةَ أمير مُقَدّم، فأدخله دار السلطان وأنزله في برج منها فسيح متسّع الأَكناف، فكان الناس يدخلون عليه [ويشتغلون في سائر العلوم] (١)، ثم كان بعد ذلك يحضر الجُمُعَات، ويعمل المواعيد على عادته في الجامع، [وكان دخوله إلى الاسكندرية يوم الأحد، وبعد عَشْرةِ أيَّام وصل خبره إلى دمشقَ، فحصل عليه تألُّم وخافوا عليه غائلة الجاشْنَكير وشيخه المَنْبجي، فتضاعف له الدُّعاء، وذلك أنهم لم يمكِّنوا أحدًا من أصحابه أن يخرج معه إلى الإسكندرية، فضاقت له الصُّدور، وذلك أنّه تمكَن منه عدوُّه نصر المنَبْجي] (٢). وكان سبب عداوته له أنَّ الشيخ تقي الدّين كان ينال من الجاشْنَكير ومن شيخه نَصْر المَنْبجي، ويقول: زالت أيامه وانتهت رياسته، وقَرُب انقضاءُ أجله، ويتكلم فيهما وفي ابن عربي وأتباعه، فأرادوا أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيْلة (٣)، فما زاد ذلك الناس إلا محبة فيه وقربًا منه، وانتفاعًا به، واشتغالًا عليه، وحُنُوًا وكرامةً له. [وجاء كتابٌ من أخيه (٤) يقول فيه: إنَّ الأخَ الكريم قد نزل بالثّغر المحروس على نيّة الرَّباط، فإنّ أعداءَ الله قصدوا بذلك أمورًا يكيدونه بها ويكيدون الإسلام وأهله، وكانت تلك كرامةً في حقّنا، وظنوا أنَّ ذلك يؤدي إلى هلاك الشيخ، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثة، وانعكست من كل الوجوه، وأَصبَحُوا وأَمْسَوْا وما زالوا عند الله وعند النّاس العارفين سودَ الوُجوه، يتقطَّعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوا، وانقلبَ أهل الثغر أجمعين إلى الأخ مقبلينَ عليه، مُكرمين له، وفي كل وقت ينشرُ من كتاب الله وسنَّة رسوله ما تَقَرُّبِهِ أعينُ المؤمنين، وذلك شجى (٥) في حلوق الأعداء، واتّفق أنّه وجد بالإسكندرية إبليسَ قد باضَ فيها وفرَّخ، وأضل بها فرق السَبْعينَّة (٦) والعربيَّة (٧)، فمزق الله بقدومه عليهم شملَهم، وشتَّت جموعَهم شَذَرَ مَذرَ، وهتكَ أستارهم وفَضَحهم، واستتاب جماعةً كثيرةً منهم، وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم، واستقر عند عامة المؤمنين وخواصِّهم من أمير وقاض وفقيه، ومفتي وشيخ وجماعة المجتهدين، إلا من شَذَّ من الأغْمَار الجُهَّال، مع الذلَّة والصَّغار - محبةُ الشَّيخ وتعظيمُه وقبولُ كلامه


(١) ليست في ب. بل فيها: ويبحثون معه.
(٢) ليست في ب.
(٣) في ب: فيستريحوا منه.
(٤) يعني: شرف الدّين عبد الله بن عبد الحليم.
(٥) "الشَّجَى": ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. القاموس.
(٦) نسبة إلى عبد الحق بن إبراهيم أبو محمد قطب الدين المعروف بابن سبعين. مات سنة (٦٦٩ هـ) وقيل (٦٦٨ هـ) في مكة المكرمة بعد أن فصد يديه وترك الدم يخرج حتّى تصفّى، قال الذهبي واشتهر عنه أنه قال: لقد تحجَّر ابن آمنة واسعًا بقوله: "لا نبيَّ بعدي". فإن كان قال هذا، فقد خرج به من الإسلام. العبر (٥/ ٢٩١) وفيه وفاته سنة (٦٦٩ هـ)، وفوات الوفيات (٢/ ٢٥٣) وفيه وفاته سنة (٦٦٨ هـ).
(٧) "العربيّة": نسبة إلى الشيخ محيي الدين بن عربي.

<<  <  ج: ص:  >  >>