للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الهَاويةِ، فإنه لا ظُلْمَ اليوم، إنّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَاب، ولا يَبقى يومئذ مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَا صِدِّيقٌ، ولا شَهيدٌ، ولَا بَشرٌ، إلّا ظَنَّ بما رَأى من شِدّة الحساب أنّه لا يَنْجُو، إلّا منَ عَصمهُ اللَّهُ تعالى.

هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في "الصحيح"، كما سيأتي بيانه قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.

وقال الطبرانيُّ: ثنا الحسينُ بن إسحاقَ التُّستَريُّ، ثنا محمد بن أبانٍ الواسطيُّ، ثنا محمدُ بن الحسنِ المُزَنِيُّ، عن سعيدِ بنِ المَرْزُبان أبي سعدٍ، عن عطاء بن أبي رباح، عن الحسن بنِ عليٍّ، قال: قال رسول اللَّه : "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيامَةِ حُفَاة عُرَاةً". فقالت امرأةٌ: يا رسول اللَّه، فكيفَ يرَى بعضُنا بعضًا؟ قال: "إِنَّ الأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ". ورفع رأسَه إلى السماءِ، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يستُرَ عَوْرَتِي. [قال]: "اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَهَا" (١).

قال البيهقي: فأما الحديث الذي حدّثنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن إسحاق ابن الخراسانيّ العَدْلُ، حدّثنا محمدُ بن الهيثَم القاضي، حدّثنا ابن أبي مَرْيم، حدّثنا يحيى بن أيُّوبَ، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: أنّه لما حضره الموت دعا بثِيابٍ جُدُدٍ، فَلبِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه يقول: "إنّ المسلمَ يُبْعَثُ في ثيابه التي يَمُوت فيها". فهذا حديث رواه أبو داود في كتاب "السنن"، عن الحسن بن عليّ، عن ابن أبي مريم (٢).

ثم شرع البيهقيّ يُجيب عن هذا الحديث لمعارضته الأحاديثَ المتقدّمة في بعث الناس حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، بثلاثةِ أجْوِبةٍ:

أحدها: أيُّها تَبْلى بعد قيامهم من قبورهم، فإذا وافَوُا الموقف يكونون عُرَاةً، ثم يُكْسَوْنَ منِ ثيَاب الجَنّة.

الثاني: أنّه إذا كُسِيَ الأنبياءُ ثم الصدِّيقُونَ، ثم مَنْ بعدهم على مراتبهم، فتكونُ كُسْوَةُ كُلِّ إنسانٍ من جِنْس ما يَمُوتُ فيه، ثم إذا دَخَلُوا الجَنَّة أُلْبِسُوا من ثِيَابِ الجَنّة.

الثالثُ: أن المراد بالثياب هاهنا الأعمال، أي يُبْعَثُ في أعماله التي مات فيها من خير أو شَرٍّ.

قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقال: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)[المدثر] قال قتادة: عَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ.


(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٧٥٥) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه أبو داود (٣١١٤) بنفس سند البيهقي، وليس عن الحسن بن علي عن ابن أبي مريم كما ذكر المصنف والحاكم (١/ ٣٤٠) وهو حديث حسن، ولفظه في أوله: "إن الميت يبعث. . . ".

<<  <  ج: ص:  >  >>