للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٢] أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أنّه سيجمعُ بني آدم مما كان يطيع الشياطين ويعبدها مع الله ﷿، ويطيعها فيما تأمره به من معاصي الله ﷿، فإن طاعة الشياطين هي عبادتها، فإذا كان يوم القيامة جمع الشياطين ومن أطاعهم، وأحضرهم حَوْل جهنَّم جثياً، أي جُلُوساً على الرُّكَب، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨] وعن ابن مسعود: قِياماً، وهمْ يُعاينُون هَوْلها، وبَشاعة منظرها، وقد جَزموا أنّهم دَاخلُوها لا محالةَ، كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] وقال تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٦]. قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثرة ٦ - ٨].

ثم أقسم تعالى أنَّ الخَلْق كُلَّهم سَيردُون جَهَنّم، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] قال ابن مسعود: قَسَماً وَاجباً.

وفي " الصحيحين " من حديث الزهريّ، عن سعيد بنِ المُسيّب، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله قال: " منْ ماتَ لَه ثلاثةٌ منَ الولدِ لم تمسَّه النار إلا تحلّةَ القَسَم " (١).

وروى الإمامُ أحمد، عن حسن، عن ابن لَهيعة، عن زَبّان بن فائد، عن سهل بن مُعاذ بن أنس، عن أبيه: أنَّ رسول الله قال: " منْ حَرَسَ منْ وراءِ المُسْلمين مُتطوعاً لا بِأجْرِ سُلْطانٍ، لم يرَ النارَ بعَيْنيه إلاّ تحِلَّة القَسَم " قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ … وذكر تمام الحديث (٢).

وقد اختلف المفسّرون في المراد بالورود ما هو؟ والأظهرُ كما قررّناه في "التفسير" أنّه المرور على الصراط، والله أعلم، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢].

وقال مجاهد: الحُمَّى حظُّ كلِّ مؤمنٍ منَ النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].

وقد روى ابن جرير في " تفسيره " حديثاً يُشبه هذا، فقال: حدّثني عِمْرانُ بنُ بكَّار الكَلاعيّ، حدّثنا أبو المُغيرة، حدّثنا عبد الرحمن بنُ يزيد بن تميم، حدّثنا إسماعيلُ بن عبيد الله، عن


(١) رواه البخاري رقم (٦٦٥٦) ومسلم (٢٦٣٢) بلفظ: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسّه النار إلا تحلَّة القسم ".
(٢). رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٣٧ و ٤٣٨) وإسناده ضعيف.

<<  <  ج: ص:  >  >>