للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأقام الجيش في الفُرات ليلَتهم، ليغادوا الإيقاع بالعسكر. فاستأمن إلى أبي أحمد غلام كان معهم من الملّاحين، فأنهى إليه خبرَهم وما اجتمعت عليه آراؤهم، فأمر أبو أحمد أبا العباس والقُوّاد والغلمان بالنهوض إليهم؛ وقصد الناحية التي فيها أصحاب الخبيث، وأنفذ جماعة من قُوّاد غلمانه في الخيل إلى السَّبَخة التي في مؤخّر النخل بالفرات، لتقطعهم عن الخروج إليها، وأمر أصحاب الشَّذَا والسميريّات، فاعترضوا في دجْلة، وأمر الرّجالة بالزَّحْف إليهم من النخل، فلما رأى الفجّار ما أتاهم من التدبير الذي لم يحتسبوه كرّوا راجعين في الطريق الذي أقبلوا منه طالبين التخلص، فكان قصدهم لجوَّيث باروَيْه، وانتهى خبر رجوعهم إلى الموفّق، فأمر أبا العباس وزِيرك بالانحدار في الشَّذَوات يسبقونهم إلى النهر، ليمنعوهم من عبوره. وأمر غلامًا من غلمانه، يقال له: ثابت، له قيادة جَمْع كثير من غلمانه السودان أن يحمل أصحابه في المعابر والزّواريق وينحدر معهم إلى الموضع الذي فيه أعداء الله للإيقاع بهم حيث كانوا، فأدركهم ثابت في أصحابه بجويِّث بارويه، فخرج إليهم فحاربهم محاربة طويلة، وثبتوا له، واستقبلوا جمعه وهو من أصحابه في زُهاء خمسمئة رجل، لأنهم لم يكونوا تكاملوا وطمعوا فيه، ثم صدقهم وأكبَّ عليهم، فمنحه الله أكتافهم؛ فمِنْ مقتول وأسير وغريق وملجّج في الماء بقدر اقتداره على السباحة التقطته الشذَا والسميريّات في دِجْلة والنهر، فلم يفلت من ذلك الجيش إلا أقله، وانصرف أبو العباس بالفَتْح، ومعه ثابت وقد عُلِّقت الرؤوس في الشّذَوات وصُلب الأسارى فيها، فاعترضوا بهم مدينتَهم ليرهبوا بهم أشياعهم؛ فلما رأوْهم أبْلسوا وأيقنوا بالبَوار، وأدخل الأسارى والرؤوس إلى الموفقيّة، وانتهى إلى أبي أحمد أن صاحب الزّنج موّه على أصحابه، وأوهمهم أن الرؤوس المرفوعة مُثُلٌ مثِّلت لهم ليراعُوا وأن الأسارى من المستأمنة، فأمر الموفق عند ذلك أبا العباس بجمع الرؤوس والمسير بها إلى إزاء قصر الفاسق والقذف بها في منجنيق منصوب في سفينة إلى عسكره، ففعل أبو العباس ذلك، فلما سقطت الرؤوس في مدينتهم، عرف أولياء القتلى رؤوس أصحابهم، فظهر بكاؤهم، وتبين لهم كذب الفاجر وتمويهه.

<<  <  ج: ص:  >  >>