للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= عن محمد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: لأعزلن خالد بن الوليد والمثنى مثنى بن شيبان حتى يعلما أن الله إنما كان ينصر عباده وليس إياهما كان ينصر.
وهذا إسناد مرسل صحيح ومتنه يؤدي إلى معنى آخر وهو خشية عمر من أن يدخل العجب إلى قلبيهما (خالد والمثنى) فأراد أن يبعدهما عن هذا التلبيس خشية أن يقعوا فيه، والصحابة وإن كانوا عدولًا ولكنهم غير معصومين والله تعالى أعلم.
٢ - وإذا كان لعزل خالد سبب آخر فنراه والله أعلم ما ذكره الحافظ وغيره من أن طريقة تعامل أبي بكر رضي الله عنه مع عماله وقادته تختلف عن طريقة عمر رضي الله عنه وذلك من سعة أصول السياسة الشرعية التي تعاملا بها رضي الله عنهما، فعمر كان يفرض على قادته وأمرائه أن يرجعوا إليه في كل صغيرة وكبيرة بينما الصديق كان يترك صغائر الأمور ودقائقها لقادته بعد أن يختار الرجل المناسب منهم في المكان المناسب.
قال الزبير بن بكار (وهو أحد أئمة التأريخ الإسلامي من المتقدمين): وحدثني محمد بن مسلم، عن مالك بن أنس. قال؛ قال عمر لأبي بكر اكتب إلى خالد لا يعطي شيئًا إلّا بأمرك، فكتب إليه بذلك فأجابه خالد: إما أن تدعني وعملي وإلّا فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله فقال أبو بكر: فمن يجزي عني جزاء خالد؟ قال عمر: أنا. قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار فمشى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر فقالوا: ما شأن عمر يخرج وأنت محتاج إليه ومالك عزلت خالدًا وقد كفاك. قال: فما أصنع؟ قالوا: تحزم على عمر فيقيم وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله ففعل، فلما ولِّيَ عمر كتب إلى خالد: ألّا تعطى شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر. فقال عمر: ما صدقت الله؛ إن كنت أشرت على أبي بكر بأمرٍ فلم أنفذه. فعزله (الإصابة ٢/ ٢١٩ / ت ٢٢٠٦).
ولقد توفي خالد رضي الله عنه وقد أيقن أن أمير المؤمنين عمر هو خير من يجعله وصيًا على تركته (قد جعلت وصيتي وتركتي وإنفاذ عهدي إلى عمر بن الخطاب) (ابن عساكر / ترجمة خالد).
٣ - لقد كان خالد رضي الله عنه كأي قائد (عسكري ميداني) ينظر إلى الأمور ويتفاعل معها بنظرة عسكرية. أما الخليفة عمر رضي الله عنه فكان يرى الأمور ويسوسها بنظرة أكثر شمولية سياسية وعسكرية وغير ذلك وليس نظرة عسكرية فقط، فأصول السياسة الشرعية التي كان عمر يتعامل بها لا تختص بالجانب العسكري فقط وإنما جوانب أخرى مجتمعة، وليس غريبًا في التأريخ البشري الطويل وحتى يومنا هذا أن يعزلَ الرؤساءُ قادةَ الجيش، ويستبدلونهم بين الآونة والأخرى، ولا يلزم في ذلك دائمًا الأغراض والعوامل النفسية وما إلى ذلك (فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بأحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتبع سنتهم وبالإضافة إلى ذلك فهم صحابة أجمع العلماء على عدالتهم سلفًا وخلفًا).

<<  <  ج: ص:  >  >>