للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= (يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر فإن قومك قصّروا في البناء)، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بينى ابن الزبير. [صحيح مسلم: كتاب الحج: ح ٤٠٤: ١٣٣٣].
ومن أعمال عبد الملك الحضارية: ضرب الدنانير ولقد ذكرنا روايات الطبري في هذا الباب آنفًا وكذلك رواية ابن الجوزي عن مالك بن أنس رضي الله عنه: "أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن" [المنتظم ٢٩٥: ١٦٤٩].
قال الأستاذ يوسف العش رحمه الله: فليست القضية قضية إنشاء مصنع للنقود، ونقل السكة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فحسب بل يدخل في هذا الأمر وزن النقود وشكلها: أما وزنها فله علاقة بالزكاة فيجب أن يسهل وزن النقد أداء الزكاة بحسب الأصول الشرعية، وهكذا جعل عبد الملك وزن الدراهم متفقًا مع حسابات الزكاة بحيث لا تكون هنالك صعوبات في حساب إخراجها فجعل الدرهم ستة دوانق بحيث أصبح العشرة دراهم سبعة مثاقيل. [الدولة الأموية: ص ٢٢٥].
وقال الحافظ ابن كثير - في ترجمة عبد الملك -: سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه، وهو ابن عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة اثنتين وأربعين. [البداية والنهاية (٧: ٢١٢)].
قلنا: والإسلام أمرنا أن نقول الحق ولو على أنفسنا فالخليفة عبد الملك خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، والله أعلم، بما فعل وللأمانة التاريخية أمام الله أولًا ثم أمام المسلمين نقول: إن عبد الملك يتحمل قسطًا وافرًا من الظلم الذي مارسه الحجاج بعد أن سلطه على العراق وسائر المشرق - مهما كانت نواياه - والظلم الذي مارسه الحجاج كان معول هدمٍ في عهد الأمويين بقي أثره حتى أفل نجمهم والله تعالى أعلم.
ومعلوم لدى الناس جميعًا أن الإنسان حين تقترب منيته وتحين ساعة المفارقة يرق قلبه وتصغر الدنيا في عينه ويندم على سيئاته، ويتمنى لو أنه لم يتقلد منصبًا حتى لا يحمل ظلم الناس وكذلك كان حال عبد الملك -رحمه الله تعالى- فقد قال سعيد بن عبد العزيز - لما احتضر عبد الملك -: أمر بفتح أبواب قصره فلما فتحت سمع قصارًا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا: قصَّار (أي: الذي يصبغ الثياب ويقصرها) فقال: يا ليتني كنت قصارًا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسبب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفرُّ إليهم، وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يومًا بيوم واشتغلت بعبادة ربي عزَّ وجلَّ وطاعته. [البداية والنهاية (٢١٨: ٧)].
وأخيرًا فإننا نريد أن نربط بين أعمال الخلفاء الراشدين وآثار سنتهم في الحكم المتبقية من =

<<  <  ج: ص:  >  >>