للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما أراد إنشاءه من خَلْقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سِني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار، وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة، وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربّها عزّ وجلّ والمطيعة ربها منهم، وأزمان الرسل والأنبياء، وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصحّ التأريخات، وتعرف به الأوقات والساعات، وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تُدرَك معرفة ساعات الليل وأوقاته، وبالآخر تُدرك علم ساعات النهار وأوقاته. فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكًا، وأنعم عليه فكفر نعمتَه، وجحد ربوبيته، وَعتَا على ربه واستكبر، فسلبه الله نعمته، وأخزاه وأذله. ثم نُتْبعه ذكر من استنّ في ذلك سنّته، واقتفى فيه أثره، فأحلّ الله به نقمته، وجعله من شيعته، وألحقه به في الخزي والذلّ. ونذكر منْ كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها، أو مِن الرسل والأنبياء إن شاء الله عَزّ وجلّ (١). (١: ٧٩).

٩٢ / ج - فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله.

وكان الله - عَزَّ وَجَلَّ - قد أحسن خلقه وشرفه وكرّمه وملّكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذُكر، وجعله مَع ذلك من خُزّان الجنة، فاستكبر على ربه وادعى الربوبية، ودعا مَنْ كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته، فمسخه الله تعالى شيطانًا رجيمًا، وشوّه خَلْقه، وسلبه ما كان خوّله، ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل، ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نارَ جهنم، نعوذ بالله من غضبه، ومن عمل يقرّب من غضبه، ومن الحَوْر بعد الكوْر.

ونبدأ بذكر جمل من الأخبار الواردة عن السلف بما كان الله عزّ وجلّ أعطاه من الكرامة قبل استكباره عليه، وادّعائه ما لم يكن له ادّعاؤه، ثم نُتبع ذلك ما كان من الأحداث في أيام سلطانه وملكه إلى حين زوال ذلك عنه، والسبب الذي به


(١) رحم الله الإمام الطبري كيف يكتب هذا الكلام وهو الذي فسر قوله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ} وقوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا}. وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).

<<  <  ج: ص:  >  >>