للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: اذهب، فادعُ لي هذه الأصنام، وهي حينئذ على منابرَ من ذهب، واحد وسبعون صنمًا. وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فقال له الغلام: كيف أقول للأصنام؟ قال: تقول لها: إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خَلَقك إلّا ما جئته. فلما قال لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهتْ إليه؛ ركض الأرضَ برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربًا فرَقًا من الخسف، فلما مرّ بجرجيس، أخذ بناصيته، فخضع له برأسه وعنقه، وكلّمه جرجيس فقال له: أخبرني أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسَك، وتهلك الناس معك، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم! فقال له إبليس: لو خيّرت بين ما أشرقت عليه الشمس، وأظلم عليه الليل، وبين هلكة بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طَرْفة عين، لاخترت طرفة العين على ذلك كلّه؛ وإنه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللّذة مثل جميع ما يتلذّذ به جميع الخلق. ألم تعلم يا جرجيس: أن الله أسجد لأبيك آدمَ جميعَ الملائكة، فسجد له: جبريل وميكائيل، وإسرافيل؛ وجميع الملائكة المقرَّبين، وأهلُ السموات كلّهم، وامتنعت من السجود، فقلت: لا أسجد لهذا الخلْق وأنا خير منه! فلما قال هذا خلّاه جرجيس؛ فما دخل إبليس منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخلُه بعدها -فيما يذكرون- أبدًا. وقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغررتني، وأهلكت آلهتي، فقال له جرجيس: إنّما فعلت ذلك عَمْدًا لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذًا لامتنعتْ منّي، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنّما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملّكني ربِّي. قال: فلما قال هذا جرجيس؛ كلّمتْهم امرأة الملك، وذلك حين كشفت لهم إيمانها، وباينتْهم بدينها، وعدّدت عليهم أفعال جرجيس، والعَبَر التي أراهم. وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلّا دعوة فتُخسف بكم الأرض فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم. اللهَ اللهَ أيّها القوم في أنفسكم! فقال لها الملك: ويحًا لك إسكندرة! ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر في ليلة واحدة! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين؛ فلم يُطق منّي شيئًا. قالت له: أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلّطه عليك، فيكون له الفلَجُ والحجّة عليك في كلِّ موطن! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان علّق عليها، فعلِّقت بها، وجعلت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما ألمت من

<<  <  ج: ص:  >  >>