للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

١١٧١ - قال أبو محْنف عن نُمَير بن وَعْلة اليناعيّ، عن أبي دَرْداء، قال: كان عليّ لما فرغ من أهل النهروان حَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الله قد أحسَن بكم، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّكم، قالوا: يا أمير المؤمنين! نفدَتْ نبالنا، وكَلّت سيوفُنا، ونصَلْت أسنّة رماحِنا، وعاد أكثرها قِصَدًا، فارجع إلى مِصرنا، فلنستَعدّ بأحسن عدّتنا، ولعلّ أمير المؤمنين يزيد في عُدّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى لنا على عدوّنا، وكان الذي تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النّخَيلة، فأمر الناسَ أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفسَهم، وأن يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا، ثم تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالًا من وجوه الناس قليلًا، وتُرك العسكر خاليًا، فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيُه في المسير (١). (٥: ٨٩/ ٩٥).

١١٧٢ - قال أبو مخنف عمّن ذكره، عن زيد بن وهب: إنّ عليًّا قال للناس - وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر -:

أيّها الناس! استعدّوا للمسير إلى عدوّ في جهاده القُربة إلى الله ودرَك الوسيلة عنده، حيارَى في الحقّ، جُفاة عن الكتاب، نُكُبٌ عن الدّين، يَعمَهون في الطّغيان، ويُعْكَسون في غَمْرة الضلال، فأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكّلوا على الله، وكفى بالله وكيلًا، وكفى بالله نصيرًا!

قال: فلا هم نفروا ولا تيسّروا، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهَهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي يُنظرهم، فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرَه، وأقلّهم من نَشِط، فقام فيهم خطيبًا، فقال:

عبادَ الله! ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِروا اثّاقلتم إلى الأرض! أرَضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّلّ والهوان من العِزّ! أوَ كلّما ندبتُكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سَكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم إلا أسُود الشرَى في الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس. ما أنتم لي بثقة سَجيسَ الليالي،


(١) إسناده تالف.

<<  <  ج: ص:  >  >>