للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وذكر عن الموصلي أنه قال: لما بعث طاهر برأس محمد إلى المأمون بكى ذو الرياستين، وقال: سلَّ علينا سيوف الناس وألسنتهم؛ أمرناه أن يبعث به أسيرًا فبعث به عقيرًا! وقال له المأمون: قد مضى ما مضى فاحتل في الاعتذار منه؛ فكتب الناس فأطالوا، وجاء أحمد بن يوسف بشبر من قرطاس فيه:

أما بعد؛ فإن المخلوع كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، وقد فرق الله بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصم الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين؛ يقول الله عز وجل حين اقتص علينا نبأ ابن نوح: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: ٤٦] , فلا طاعة لأحد في معصية إذا كانت القطيعة في جنب الله. وكتابي إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وردّاه رداء نكثه، وأحْصد لأمير المؤمنين أمرَه، وأنجز له وعده، وما ينتظر من صادق وعده حين ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الإسلام بعد دروسها (١).

* * *


(١) هذا الخبر الذي ذكره الطبري عن الموصلي ويعني به إسحاق أو أبوه إبراهيم ذكره الجهشياري بروايتين إذ قال في الأولى دون إسناد: ولما قتل طاهر محمدًا المخلوع، أنفذ رأسه إلى المأمون؛ فقال الفضل بن سهل: ما فعل بنا طاهر؟ سَلَّ علينا سيوف النّاس وألسنتهم، أمرناه أن يبعث به أسيرًا، فبعث به عَقِيرًا! (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).
وأخرج الجهشياري قال: وذكر عليّ بن أبي سعيد أنه رأى رأس محمد وقد أدخله ذو الرياستين على تُرْس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد، ثم أمره المأمون أن ينشى كتابًا عن طاهر بخبره، ليقرأه على الناس؛ فكتب عدة كتب لم يرضها واستطالها، فكتب أحمد بن يوسف في ذلك كتابًا نُسْخَتُه: "أما بعد، فإِن المخلوع وان كان قَسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرّق حكم الكتاب والسُّنة بينه وبينه في الولاية والحُرْمة، لمفارقته عِصْمة الدين، وخروجه من الأمر الجامع للمسلمين، تقُولُ الله عزّ وجلّ فيما اقتصّ علينا من نَبَأ نوح: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}، ولا صِلَة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، ورَدَّأَهُ رِدْءَ نكْثه، وأحصَدَ لأمير المؤمنين أمره، وأَنجز له ما كان ينتظره من وعده؛ فالحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلومَ حقه، الكائد له مَنْ خَتَرَ عَهْدَه، ونقض عَقْدَه، حتى ردّ اللهُ به الألفة بعد فرقتها، وأحيا به الأعلام بعد دُرُوسها، وجمع به الأمة بعد فرقتها، والسلام" (الوزراء والكتاب/ ٣٠٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>