للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل سنة عشرين وذلكَ عندي خطأ - خرجَ المعتصم يريد القاطول، ويريدُ البناء بسامراء، فصرفه كثرة زيادة دجلة؛ فلم يقدر على الحركة، فانصرفَ إلى بغداد إلى الشماسيَّة، تم خرجَ بعد ذلك؛ فلما صار بالقاطول غضب على الفَضْل بن مروان وأهل بيتهِ في صفر، وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم؛ وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه، فلما فرغَ من الحساب لم يناظر فيه، وأمر بحبسه، وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان، وحبس أصحابه، وصيَّرَ مكانهُ محمد بن عبد الملك الزيات، فحبس دُليلًا، ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، فلم يرْل بها مقيمًا؛ فصار محمد بن عبد الملك وزيرًا كاتبًا، وجرى على يديهِ عامةُ ما بنى المعتصم سامراء من الجانبين الشرقيِّ والغربيِّ، ولم يزل في مرتبته حتى استُخلِفَ المُتوكل، فقتل محمد بن عبد الملك.

وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حلَّ من قبله المحل الذي لم يكن أحد يطمعُ في ملاحظته، فضلًا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمرهِ ونهيه، وإرادتهِ وحكمه؛ فكانت هذه صفتهُ ومقدارهُ؛ حتى حملته الدَّالة، وحرَّكتهُ الحُرمةُ على خلافه في بعض ما كان يأمره به، ومنعَهُ ما كان يحتاجُ إليه من الأموال في مهم أموره؛ فذكر عن ابن أبي داود أنه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم؛ فكثيرًا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل إليَّ كذا وكذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه، فيقول: ومن أين أحتالها! ومَن يعطيني هذا القدر من المال؟ وعندَ من أجده؟ فكانَ ذلكَ يسوءهُ وأعرفهُ في وجهه؛ فلمَّا كثر هذا من فعله ركبتُ إليهِ يومًا فقلت له مستخليًا به: يا أبا العباس؛ إنَّ الناسَ يدخلون بيني وبينكَ بما أكرهُ وتكره، وأنتَ امرؤ قد عرفتُ أخلاقَكَ، وقد عرفها الداخلونَ بيننا؛ فإِن حُرِّكت فيك بحق فاجعله باطلًا، وعلى ذلكَ فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب عليَّ في الحق لك؛ وقد أراكَ كثيرًا ما ترد على أميرِ المؤمنين أجوبةً غليظةً تُرمضه، وتقدح في قلبه، والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثرَ ذلكَ وغلظ. قال: وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قلتُ: أسمعهُ كثيرًا ما يقول لك: نحتاجُ إلى كذا منِ المال لنصرفَهُ في وجهِ كذا، فتقول: ومن يعطيني هذا! وهذا ما لا يحتملهُ الخُلفاء. قال: فما أصنعُ إذا طلب

<<  <  ج: ص:  >  >>