للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو مخنف: حدّثني حُصَيرة بن عبد الله، عن أبيه، قال: لما رأينا المستورِد بن عُلّفة وقد نزلْنا به ساباط أقبل إلى الجِسْر فقطعه، كنا نظنّ أنه يريد أن يَعبُر إلينا. قال: فارتَفَعْنا عن مظلم ساباط إلى الصَّحراء التي بين المدائن وساباط فتعبّأنا وتهيّأنا، فطال علينا أن نراهم يخرجون إلينا. قال: فقال أبو الروّاغ: إن لهؤلاء لشأنًا، ألا رجل يَعلَم لك عِلمَ هؤلاء؟ فقلت: أنا ووهيب بن أبي أشاءة الأزديّ: نحن نَعلَمُ لك عِلمَ ذلك، ونأتيك بخبرهم، فقربنا على فَرسيْنا إلى الجسر فوجَدْناه مقطوعًا، فظننّا القومَ لم يقطعوه إلا هيبةً لنا ورُعْبًا منا، فرجَعْنا نَركُض سراعًا حتى انتهينا إلى صاحبنا، فأخبرنا بما رأينا، فقال: ما ظنّكم؟ قال: فقلنا: لم يَقطَعوا الجسرَ إلا لهيبتنا ولِمَا أدخل اللهُ في قلوبهم من الرّعب منّا. قال: لعمري ما خرج القومُ وهم يريدون الفِرار، ولكنّ القوم قد كادوكم، أتسمعون! والله ما أراهم إلا قالوا: إنّ معقلًا لم يبعث إليكم أبا الروّاغ إلا في حرّ أصحابه، فإن استطعتم فاتركوا هؤلاء بمكانهم هذا، وجدّوا في السير نحو معقل وأصحابه، فإنكم تجدُونهم غارِّين آمنين إن تأتوهم؛ فقطعوا الجسرَ لكيما يشغلوكم به عن لَحاقكم إياهم حتى يأتوا أميرَكم على غرّة، النّجاء النّجاء في الطلب! قال: فوقع في أنفسنا أنّ الذي قال لنا كما قال. قال: فصحْنا بأهل القرية؛ قال: فجاؤوا سراعًا: فقلنا لهم: عجِّلوا عقد الجسر، واستحَثثْناهم فما لَبِثوا أن فرغوا منه، ثم عَبرْنا عليه، فاتّبعناهم سِراعًا ما نلوي على شيء، فلزمنا آثارهم، فو الله ما زلْنا نسأل عنهم، فيقال: هم الآن أمامَكم، لحقتموهم، ما أقربَكم منهم، فو الله ما زلنا في طلبهم حِرْصًا على لَحاقهم حتى كان أوّل من استقبلنا مَن الناس فلّهم وهم منهزمون لا يلوي أحدٌ على أحد. فاستقبلهم أبو الروّاغ، ثمّ صاح بالناس: إليّ إليّ؛ فأقبَل الناس إليه، فلاذوا به، فقال: ويْلَكم! ما وراءكم؟ فقالوا: لا ندري، لمَ يَرُعْنا إلّا والقوم معنا في عسكرنا ونحن متفرّقون. فشدّوا علينا. ففرّقوا بيننا، قال: فما فعل الأمير؟ فقائل يقول: نزل وهو يقاتل؛ وقائل يقول: ما نراه إلا قُتل؛ فقال لهم: أيّها الناس! ارجعوا معي، فإنْ نُدْرِك أميرَنا حيًّا نقاتل معه، وإن نجدْه قد هلك قاتلْناهم، فنحن فُرسانُ أهلِ المصْر المنتخَبون لهذا العدوّ، فلا يفسدنّ فيكم رأي أميركم بالمصْر، ولا رأي أهل المصْر، وايمُ الله لا ينبغي لكم إن عاينتموه وقد قتلوا

<<  <  ج: ص:  >  >>