للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَلم يَكُنْ فيكِ قومٌ كان مسكنهمْ ... وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْن!

صَاحَ الغرابُ بهمْ بالْبيْن فَافتَرقُوا ... مَاذا لقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْن!

أَستودعُ الله قومًا مَا ذكرتهمُ ... إلّا تحدَّرَ ماءُ العينِ منْ عَيْنِي

كانوا فَفَرَّقهم دَهْر وصَدَّعَهم ... والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين

قال: ووكّل محمد عليًّا فراهرمد؛ فيمن ضم إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قُصور دجلة وما والاها، فألحّ في إحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهدْمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَيْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْقنديّ؛ فكان يرمي بالمَنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهلُ ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحِه وأعلامه، ومَنْ أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقوّداه وفرسانه ورجّالته؛ حتى أوحشت بغداد، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:

أَتُسْرعُ الرِّجْلَة إغْذَاذا ... عَنْ جَانِبيْ بغداذ أَمْ ماذَا!

ألمْ تَرَ الفتنةَ قد ألّفَتْ ... إلى أُولي الفتنةِ شُذاذا

وانتقضتْ بغدادُ عُمْرَانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا

هَدْمًا وَحَرْقًا قد أُبِيدَ أهلُها ... عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا

ما أَحسنَ الحالات إن لم تَعُدْ ... بغداذ في القلَّة بَغْداذا

قال: وسمّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلها ومدينةَ أبي جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع ممَنْ لم ينحز إليه من بني هاشم والقوّاد والموالى وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا يني فيه فقال الخزيمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:

قالوا: ولم يلعبِ الزمانُ ببغـ ... ـدادَ وتَعثرْ بها عواثرها

إذ هي مثلُ العروس باطنها ... مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها

جنَّة خُلْدٍ ودارُ مَغبَطَةٍ ... قلَّ من النائبات وَاترُها

<<  <  ج: ص:  >  >>