للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

غنم، فقتلنا من أشرف لنا (١)، وأسرنا منهم، وهربوا في كل وجه يركبون الحرّة (٢) يريدون حصن قلعة الزبير، وجعلنا ندعهم يهربون (أي أن عسكر الإِسلام لم يتعقبّوا اليهود المنهزمِين من الحصن)، وصعد المسلمون على جدره، فكبّروا عليه تكبيرًا كثيرًا، ففتتنا أعضاد اليهود بالتكبير، لقد رأيت فتيان أسلم وغفار فوق الحصن يكبِّرون، فوجدنا والله من الأطعمة ما لم نظن أنه هناك، من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك.

ونادى منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلوا واعلفوا ولا تحتملوا، يقول: لا تخرجوا به إلى بلادكم، فكان المسلمون يأخذون من ذلك الحصن مقامهم، طعامهم وعلف دوابهم، لا يُمْنَعُ أحد أن يأخذ حاجته، ولا يُخَمَّس الطعام، ووجدوا فيه من البز والآنية، ووجدوا خوابى السكر (٣)، فأمروا فكسروها، فكانوا يكسرونها حتى سال السكر في الحصن، والخوالى (٤) كبار لا يطاق حملها، وكان أبو ثعلبة الخشني (٥) يقول: وجدنا فيه آنية من نحاس وفخار، كانت اليهود تأكل فيها وتشرب، فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اغسلوها واطبخوا فيها واشربوا، وقال أسخنوا فيها الماء (٦) ثم اطبخوا بعد .. وكلوا واشربوا، وأخرجنا منه غنمًا كثيرًا، وبقرًا وحُمرًا، أخرجنا منه آلات كثيرة للحرب، ومنجنيقًا ودبابات وعدّة، فنعلم أنهم كانوا يظنون أن الحصار يكون دهرًا، فجعل الله خزيهم.

وحدّثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: لقد خرج من أطم (٧) من حصن الصعب بن معاذ من البز عشرون عكمًا محزومة من غليظ متاع اليمن، وألف وخمسمائة قطيفة، يقال قدم كل رجل بقطيفة على أهله، ووجد عشرة أحمال خشب، فأمر به فأخرج من الحصن ثم أحرق،


(١) أشرف الشيء: برز وظهر.
(٢) الحرة: هي الأرض ذات الحجارة السوداء التي كأن رؤوسها أطراف سكاكين.
(٣) السكر (بفتح السين والكاف): هو الخمر بمختلف أنواعه.
(٤) الخوابى جمع خابية: جرار تصنع لتعتيق الخمر فيها.
(٥) و (٦) تسخين الماء في الأواني مفيد من الناحية الطبية لأن الغليان يقتل جميع الميكروبات الضارة، ومن هنا أمر - صلى الله عليه وسلم - تسخين الماء في الأوانى قبل الأكل والشرب فيها خشية أن تكون موبوءة.
(٧) أطم الحصن (بضم أوله وثانيه): أعلاه.

<<  <  ج: ص:  >  >>