للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واتفق رواة الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل بظاهر مكة، وكان مدة مقامه بمكة إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه يصلى بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهرها أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والأربعاء فلما كان يوم الخميس (ضحَى) توجه بمن معه من المسلمين إلى منى، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم، ولم يدخلوا المسجد ليحرموا منه بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم، فلما وصل إلى منى نزل بها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح (١).

[صلاة أهل مكة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -]

وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة الرباعية قصر ولما صلى أهل مكة معه. قال: أتموا صلاتكم فإنا سفر (٢) وكان ذلك ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار من منى إلى عرفات وأخذ على طريق ضبّ على يمين طريق الناس اليوم، وكان من أصحابه الملبى ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء، فلما وصل نمرة (وهي شرقي عرفة) وجد قبة بها قد نصبت بأمره فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بناقته القصوى فرُحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، (وعرنة ليست من عرفات) وهناك في وادي عرنة خطب الناس وهو على ناقته خطبة عظيمة جامعة قرر فيها قواعد الإِسلام وهدم قواعد الشرك وردم منابع الجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات وهي الأعراض والدماء والأموال ووضع كل أمور الجاهلية تحت قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرًا، وذكر ما لهن من حقوق وما عليهن من واجبات، وأوصى الأمة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبرهم أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون؟ وبماذا يشهدون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدّيت ونصحت، فرفع إصبعه


(١) زاد المعاد ج ١ ص ٤٦١، وانظر خطبة الوداع مفصلة في مصادرها الكبرى.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ١٠٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>