للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم، فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا بالكلية، فلما تخلصوا منهم انحازوا عنهم، كان هذا غاية المرام في هذا المقام، وهذا محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام "ففتح الله عليهم" والمقصود أن ابن إسحاق يستدل على ما ذهب إليه. فقال: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومحاشاته بالناس وانصرافه بهم. قيس بن المحسر يعتذر عما صنع يومئذ وصنع الناس يقول:

فوالله لا تنفك نفسي تلومنى ... على موقفى والخيلُ قابعة قُبَلْ

وقفتُ بها لا مستجيزا فنافذا ... ولا مانعًا من كان حُمَّ له القَتَلْ

على أننى أسيت نفسي بخالد ... ألا خالد في القوم ليس له مَثل

وجاشت إليَّ النفس من نحو جعفرٍ ... بمؤتة إذا لا ينفع النابل النَّبل

وضم إلينا حجزتيهم كليهما ... مهاجرة لا مشركون ولا عذل

قال ابن إسحاق: فبيّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمن معه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال - فيما بلغنا عنه أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى رجع إلى المدينة (١).

[تحقيق المقام في أن ما قام به خالد في مؤتة نصر لا مثيل له]

والواقع أن ما فعله جيش الإِسلام الصغير في (مؤتة) وما قام به القائد الفذ خالد بن الوليد من انسحاب منظم بهذا الجيش حتى وصل به المدينة سليمًا وعلى تعبئة تامة. بعد قتال ضار عنيف استمر سبعة أيام، في (مؤتة) هو عين البطولة، ويمثل أعلى درجات النصر. . هذه حقيقة تؤكد صحتها كل الأعراف والمقاييس العسكرية في كل عصر وزمان.

وإلا فماذا يريد الذين يصرون على تسمية ما حدث من جيش الإِسلام في (مؤتة) هزيمة وانكسارًا وفرارًا؟ .

هل يريدون من هذا الجيش الصغير أن يظل يصارع الرومان حتى يفنى عن آخره جوعًا أو قتلًا بالتقسيط.


(١) انظر البداية والنهاية ج ٤ ص ٢٤٧ - ٢٤٨ - ٢٤٩ - ٢٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>