للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منه، فقد سلك على دحنا (١) ثم على قرن المنازل (٢) ثم على نخلة وهو المسمى اليوم (بوادى اليمانية).

وأثناء عودة الرسول من الطائف وفي أثناء الطريق، حدثت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تصرفات، كانت دروسًا عملية رائعة في شرف السلوك والعدل والإِنصاف والتواضع، ينبغي لكل قائد أو زعيم مسلم مسؤول عن فئة أو أمة أن يجعلها نصب عينيه كى تكون له نبراسًا يستضئ به في معاملة مرؤوسيه، ليكون محل احترامهم وموضع ثقتهم ومحبهم وتقديرهم.

فقد رأينا (أولًا) كيف أن أكثر وحدات الجيش تضجّرت ولم ترض أن يفك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحصار عن الطائف، بل طالبت باستمرار القتال، رغم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو القائد الأعلى- قد أذن مؤذنه ونادى بالرحيل عن ثقيف.

ورأينا كيف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يصر على الانسحاب الفورى من الميدان بل لكى يقنع العناصر المتذمرة في الجيش والغير الراضية بالانسحاب، لم يفرض عليهم إرادته ويأمر بالانسحاب بدون مراجعة، بل أمر بمعاودة الهجوم على المشركين الثقفيين، وعندما فشل الهجوم وتعرض الجيش لجراحات كثيرة من سهام ثقيف، اقتنعت العناصر المتذمرة بعدم جدوى استمرار الحصار فانسحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجيش وكل عناصره مقتنعة بوجاهة الانسحاب، وهذا من الرسول درس عسكرى في التمعن فيه فائدة كبرى لمن هم في مراكز القيادة على أي مستوى كانوا.

[مثالية الرسول - صلى الله عليه وسلم -]

وحدث أبو رهم (٣) الغفاري بأنه كان (وهم عائدون من الطائف) إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقة له، وفي رجله نعلان غليظتان، إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووقع حرف نعله على ساق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأوجعه. فقال الرسول: أوجعتنى أخرّ رجلك، وقرع رجله بالسوط. قال:


(١) دحنا (بفتح أوله وسكون ثانيه): مخلاف من مخاليف الطائف.
(٢) قرن المنازل جبيل صغير يحرم منه حجاج نجد وهو السيل الكبير.
(٣) انظر ترجمة أبي رهم في كتابنا (غزوة خيبر).

<<  <  ج: ص:  >  >>