للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[أمير المدينة بالنيابة]

كان من عادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - المتبعة (إداريا) أنه عندما ينوي القيام بمغادرة المدينة لغزو، أو غير ذلك يترك في العاصمة رجلًا من أصحابه يدير شئونها "حاكما" بالنيابة عنه حتى يعود إليها، وقد عين هذه المرة على المدينة ونواحيها "حاكما" سباع بن عرفطة الغفاري (١).

فقبل تحركه بالجيش من المدينة أصدر - صلى الله عليه وسلم - مرسومًا شفويا عين بموجبه سباعا هذا أميرًا على المدينة، وسباع هذا ليس من أهل المدينة، بل من قبيلة غفار البدوية الكنانية التي تقع ديارها "على الأرجح" ناحية بدر بين مكة والمدينة، ولا شك أن في هذا التصرف "من الرسول - صلى الله عليه وسلم -" مغزى من مغازى المساواة التي جاء بها الإسلام وقضى بها على العنصرية والتعصب القبلى الجاهلى، فلم يؤمِّر على أهل المدينة "في حال غيابه" أميرًا منهم بل أمَّر عليهم أميرًا بدويًا أهلته سابقته في الإسلام لأن يكون أميرًا على عاصمة المهاجرين والأنصار.

كذلك خلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابن عمه علي بن أبي طالب في المدينة، ولم يخلفه أميرًا، وإنما خلفه ليتولى العناية بشؤون خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهي رعاية شئون أهله الأطهار.

وقد أرجف المنافقون بعلي، كما هي طريقتهم في الفتنة وإحداث البلبلة- فقالوا: ما خلفه محمد في المدينة إلا استثقالًا له وتخففًا منه، فأثر قول المنافقين الخبيث هذا في نفس أمير المؤمنين على، فتأذى له إلى درجة أنه لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يزال بجيشه معسكرًا على بعد ثلاثة أميال من المدينة- وأخبره بما يذيع المنافقون في المدينة من سيء القول المؤلم، حيث قال علي، يا نبي الله، زعم المنافقون أنك استثقلتنى وتخففت مني، فطمأنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا القول محض افتراء، ورغب إليه في أن لا يلقى له بالا، وأن يرجع إلى المدينة ليظل في مهمته التي أوكلها إليه، حيث قال له: كذبوا، ولكنى خلقتك لما تركت ورائى، فارجع فاخلقنى في أهلى وأهلك، أفلا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى، إلا


(١) انظر ترجمته فيما مضى من هذه السلسلة.

<<  <  ج: ص:  >  >>