للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ملياً وهو صامت، ثم انتفض قائماً وقال: "أيها السادة، لقد عقدت النية على ألا أخوض حرباً ظالمة ما حييت ولكني … لن أنهي حرباً عادلة إلا بالقضاء المبرم على أعدائي (٢٥) ". ثم طلق كل لهو وترف واتصال بالنساء ومعاقرة للخمر. وكان جيشه وبحريته مستعدين، فغادر معهما استوكهولم في ٢٤ أبريل ١٧٠٠ ليبدأ واحدة من أروع السير الحربية في التاريخ. ولم يشهد عاصمة ملكه بعدها قط.

وبدأ بمهاجمة الدنمرك، فقد كان عليه أن يحمي ولايات السويد الجنوبية من هجمات الدنمرك وهو يواجه بولندة وروسيا. ثم قاد سفنه عبر مضيق الساوند-المفترض أنه لا يصلح للملاحة-بما عهد فيه من جرأة وسرعة، رغم اعتراض أميرال بحريته، ورسا على سييلاند، التي لا تبعد عن كوبنهاجن سوى أميال (٤ أغسطس ١٧٠٠). وسارع فردريك الرابع ملك الدنمرك غلى إبرام صلح ترافندال معه (١٨ أغسطس) خشية أن تسقط عاصمته، ودفع تعويضاً قدره ٢٠٠. ٠٠٠ ريال دنمركي، وأقسم أنه لن يهاجم السويد أبداً.

وفي مايو ١٧٠٠ حاول أغسطس الثاني الاستيلاء على ريجا. ولكن هزمه الكونت ايريك دالبيرج، القائد السويدي البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً، والذي اكتسب لقب "فوبان السويد" لمهارته في فن التحصين. وتقهقر أوغسطس وناشد بطرس أن يخفف عنه بغزوه اينجريا. واستجاب بطرس بأن أمر أربعين ألف مقاتل بحصار نارفا. وأراد شارل الثاني عشر أن يساعد دالبيرج، فنقل جيشه بالبحر إلى برناو (بارنو)، على خليج ريجا، ولكنه حين وجد ذلك المقاتل منتصراً، اتجه شمالاً. واخترق المناقع والممرات الخطرة ثم ظهر فجأة في مؤخرة جيش بطرس. وأخذ القيصر على غرة، فبدا منه ما بدا جبناً معيباً، إذ ترك الجيش (الذي كان يخدم فيه ملازماً فقط)، وفرّ غلى نوفجورود وموسكو. وأغلب الظن أنه عرف عن مجنديه الغشم سينهارون في أول امتحان لهم، ولم يكن في وسعه أن يترك العدو يأسره، لأنه رأى نفسه أعظم قيمة لروسيا حياً منه ميتاً. أما الجيش الروسي، الذي بلغ أربعين ألفاً، والذي كان يقوده الأمير المجري كارل يوجين ديكروا قيادة عاجزة، فقد هزمه جنود شارل الثمانية الآلاف في موقعة نارفا (٢٠ نوفمبر ١٧٠٠)، وكانت أول نكسة في حياة بطرس بعد صباه.