للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كل شيء صائر، وليس ثمة حالة تبقى على حالها دون أن تتغير، حتى في أقصر اللحظات؛ فكل شيء دائب على الخروج عن حاله التي هو عليها، صائر إلى ما سيكون عليه. وتلك حال جديدة من حالات الفلسفة تلقى من هرقليطس عناية وتوكيداً، وهو لا يقتصر (كما يقتصر طاليس) على السؤال عن ماهية الأشياء في حاضرها، ولكنه يسأل كما يسأل أنكسمندر، ولكريشيوس، واسبنسر عن الطريقة التي أدت بها إلى ما هي عليه. وهو يشير، كما يشير أرسطو، إلى أن دراسة الحالة الثانية هي خير طريقة تعرف بها الأولى. ولسنا نجد فيما بقي لدينا من أمثاله المثل القائل: "كل شيء يسير، ولا شيء يسكن" (Panta rei،ouden menei) ، ولكن الأقدمين على بكرة أبيهم يعزون هذا المثل إلى هرقليطس (٥٦): "إنك لا تستطيع أن تخطو خطوتين في نهر واحد، لأن مياهاً أخرى لا تنفك تجري إليك" (٤١). "نحن كائنون ونحن غير كائنون" (٨١)؛ والكون عنده كما هو عند هيجل صيرورة كبرى. والتضاعف، والاختلاف، والتغير حقائق لا تقل في ذلك عن الوحدة، والذاتية، والكينونة؛ والتعدد، حقيقة لا تقل في ذلك عن الوحدة (٥٧). فالكثرة هي الوحدة؛ وكل تغير ما هو إلا انتقال الأشياء نحو حالة النار أو منها، إن الوحدة هي الكثرة، وفي قلب النار نفسها يخفق التغير الذي لا يستقر أبداً (١).

ومن هنا ينتقل هرقليطس إلى العنصر الثالث من عناصر فلسفته - وهو وحدة الأضداد، واعتماد المتناقضات بعضها على بعض، وائتلاف النزاع. "الله هو الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والتخمة والجوع" (٣٦). "والخيّر والشرير واحد، وكذلك الخير والشر" (٥٧ - ٥٨) "والحياة والموت شيء واحد، كذلك اليقظة والنوم، والشباب والشيخوخة" (٧٨) لأن هذه


(١) على القارئ أن يذكر على الدوام أن هرقليطس هو الفيلسوف الغامض!