للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

اليونان عليها من سنة ٧٣٥ وما بعدها (١)، وسرعان ما أسسوا ناكسوس، وسرقوسة، وليونتيني Leontini، ومسانا (مسينا)، وقطانا Catana، وجيلا، وهميرا Himera، وسلينس، وأكروجاس. وكان أهل الجزيرة الأصليون في جميع هذه الهجرات يُطردون من السواحل نحو الداخل بقوة السلاح. وقد انسحبت كثرتهم إلى الأصقاع الجبلية الداخلية تفلحها وتستغلها، ومنهم أقلية أصبحت عبيداً للغزاة. وتزاوج عدد منهم مع الفاتحين بلغ من الكثرة حداً أصبح معه للدم والعادات والأخلاق اليونانية في صقلية الغلبة على طباع الأهلين، فاتصفوا بما كان يتصف به اليونان من ثورة عاطفية وانهماك في العلاقات الجنسية (٥٩). ولم يفتتح اليونان الجزيرة في وقت من الأوقات بالمعنى الصحيح للفظ الفتح، بل بقي الفينيقيون والقرطاجنيون أصحاب السلطة العليا على ساحلها الغربي، ودامت الحرب بينهم وبين اليونان خمسمائة عام، رمزاً للكفاح بين اليونان والساميين، وبين أوربا وإفريقية، للاستيلاء على صقلية وبدأ هذا النزاع من جديد في العصور الوسطى بين أهل الشمال (النورمان) والعرب بعد أن ظلت رومة مسيطرة على الجزيرة ثلاثة عشر قرناً من الزمان.

وامتازت قطانا بشرائعها، كما اشتهرت جزائر ليباري Lipari بشيوعيتها، وميرا بشاعرها سيجستا Segesta سلينس وأكروجاس بهياكلهما، وسرقوسة بقوتها وثرائها. وأضحت الشرائع التي سنها كارنداس Charondas لقطانا قبل صولون بجيل كامل أنموذجاً تحتذيه كثير من المدن في صقلية وإيطاليا، وكانت عاملاً قوياً في استتباب النظام العام وكبح الشهوات الجنسية في مجتمعات لا تحميها التقاليد القديمة ولا السوابق المقدسة المرعية. ومن أقوال كارنداس في هذا المعنى أن في وسع الرجل أن يطلق زوجته، كما أن في مقدور الزوجة أن تطلق زوجها، ولكن ينبغي للرجل ألا يتزوج أصغر من مطلقته كما أن عليها هي الأخرى


(١) أو لعل ذلك كان بعد جيل من ذلك الوقت.