للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويقرر حجم الملهى وتقاليد الاحتفال طبيعة المسرحيات اليونانية إلى حد بعيد. وإذ كان من غير المستطاع إظهار الفروق الضعيفة بين الشخصيات بملامح الوجه أو تغيير نبرات الصوت، فقد كانت الدقة في تصوير شخصيات المسرحية قليلة الوجود في الملهى الديونيشي. لقد كانت المسرحيات اليونانية دراسة للأقدار أي للإنسان في كفاحه مع الآلهة، أما المسرحيات التي كتبت في عصر الملكة إليزابيث فكانت دراسة في تتابع الحوادث أي دراسة للإنسان في صراعه مع أخيه الإنسان، وكانت الجيدة منها دراسة في الأخلاق أي دراسة للإنسان في صراعه مع نفسه. وكان النظارة اليونان يعرفون مقدماً مصير كل شخصية من الشخصيات الممثلة، كما يعرفون نتيجة كل حادثة من حوادث التمثيل؛ ذلك بأن العادات الدينية كان لا يزال لها في القرن الخامس من القوة ما يكفي لتحديد موضوع المسرحيات الديونيشية بحيث لا يخرج عن قصة من الأساطير والخرافات الشائعة عند اليونان الأولين (١). ولم يكن في المسرحية شيء من ترقب النتائج غير المعروفة أو من المفاجآت، بل كان فيها بدلاً من هذا لذة الشعور السابق بالنتائج المرتقبة ومعرفة ما سيكون قبل وقوعها. وكان مؤلفو المسرحيات جيلاً بعد جيل يقصون على النظارة أنفسهم القصة بعينها؛ ولم يكن بينهم اختلاف إلا في الشعر، والموسيقى، والتفسير، والفلسفة. وحتى الفلسفة نفسها كانت


(١) ولقد كانت هناك مسرحيات قليلة مأخوذة من تاريخ اليونان بعد عهد الأساطير. ولم يبق من هذه المسرحيات الأخيرة حتى الآن إلا مسرحية "المرأة الفارسية" لإسكلس. وقد مثل فرنكس Phrynichus في عام ٤٩٣ "سقوط ميليطس"، ولكن اليونان كانوا يحزنون أشد الحزن حين يذكرون استيلاء الفرس على مدينتهم الجديدة، ولهذا فأنهم فرضوا على فرنكس غرامة قدرها ألف درخمة لهذه البدعة الجديدة التي أدخلها في التأليف المسرحي وحرموا إعادة تمثيل المسرحية (٣٩). ولدينا من الشواهد ما يدل على أن ثمستكليز كان يدبر في السر تمثيل هذه المسرحية ليتخذها وسيلة لإثارة حمية الأثينيين ودفعهم إلى محاربة الفرس (٤٠).