للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال مرة لأبي هريرة، وكان يتردد عليه كثيراً: "يا أبا هريرة زد غباً تزدد حباً". وكان محارباً صارماً لا يرحم عدواً (١)، وقاضياً عادلاً في وسعه أن يقسو ويغدر، ولكن أعماله الرحيمة أكثر من أن تُعد. وقد قضى على كثير من الخرافات الهمجية كفقء أعين بعض الحيوانات لوقايتها من الحسد، أو ربط بعير الميت عند قبرهم. وكان أصدقاؤه يحبونه حباً يقرب من العبادة، وكان أتباعه يجمعون بصاقه أو شعره بعد قصه، أو الماء الذي يغسل به يديه، لاعتقادهم أن في هذه الفضلات شفاء لهم من ضعفهم أو مرضهم.

وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء جميع واجبات الحب والحرب (٢)، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره، وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات ونوبات غريبة. وتقول عائشة إنه كان يخرج من بيته في ظلام الليل، ويزور القبور، ويطلب المغفرة للأموات (٣)، ويدعو الله لهم جهرة، ويهنئهم على أنهم موتى. ولما بلغ الثالثة والستين من عمره اشتدت عليه هذه الحميات، وحدث في إحدى الليالي أن شكت عائشة الصداع، وأن شكاه هو نفسه وسألها وهو يمازحها إلا تفضل أن تموت هي قبله، فتحظى بأن يدفنها رسول الله، فأجابته بحديثها المعهود، أنه حين يعود من دفنها سيأتي بعروس أخرى مكانها. وظلت الحمى تعاوده أربعة عشر يوماً بعد ذلك الوقت، وقبل وفاته بثلاثة أيام نهض من فراشه،


(١) كان النبي رحيماً بالناس جميعاً كما يقول المؤلف، هذا ولم يكن للرسول شخصياً أعداء بل كان هؤلاء أعداء الله وأعداء دينه الذي ارتضاه للناس جميعاً وعملوا ما في وسعهم لإطفاء نور الله، فلا جرم أن تكون من الرسول شدة على بعضهم حين يتبين لهم أنه مصرون على عدوانهم.
(٢) لعله يريد واجبات الحب للمسلمين والحرب للدفاع عنهم. (ي)
(٣) يشير المؤلف إلى قول الرسول في أوائل مرضه الذي توفي فيه "إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع (مدافن أهل المدينة) ثم ذهب فعلاً واستغفر لهم". (راجع سيرة ابن هشام ج‍٢ ص ٣٦٦). (ي)