للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الخيل البرية عارية، يحاربون ليعيشوا، ويعيشون ليحاربوا ويشربون دماء أعاديهم، ويتخذون جلود رؤوس هؤلاء الأعداء قطائل لهم (٧). اضعفوا أشور بغاراتهم الدائمة عليها، واجتاحوا غرب آسية (حوالي عام ٦٣٠ - ٦١٠ ق. م) وأخذوا يدمرون في طريقهم كل شيء ويقتلون كل إنسان، وتقدموا إلى مدن دال النيل نفسها، ثم فشا فيهم وباء غريب مجهول قضى على عدد كبير منهم، وغلبهم آخر الأمر الميديون، وردوهم على أعقابهم إلى مساكنهم في الشمال (١). وإنا لنلمح في هذه القصة ومضة أخرى من المأساة التي تتكرر على الدوام في جميع العصور، وهي ما تفعله القبائل الهمجية الرابضة وراء الأمم القديمة جميعها والمحيطة بها.

وظهرت في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد قوة جديدة في آسية الصغرى، ورثت بقايا الحضارة الحيثية، وكانت حلقة اتصال بينها وبين ليديا وبلاد اليونان. وكانت الأساطير التي حاول بها الفريجيون أن يفسروا للمؤرخين المتشوفين قيام دولتهم قصة رمزية لقيام الأمم وسقوطها. فهم يقولون أن جورديوس أول ملوكهم كان فلاحاً بسيطاً لم يرث من أبويه إلا ثورين اثنين (٢)، وأن ابنه ميداس ثاني أولئك الملوك كان رجلاً متلافاً أضعف الدولة بشراهته وإسرافه


(١) يحدثنا أبقراط أن "نساءهم، طالما كن عذارى: يركبن الخيل، ويصدن، ويرمين بالحراب وهن على ظهور الخيل؛ ويحاربن أعدائهن. ولا يسمحن بفض بكارتهن إلا إذا قتلن ثلاثة من هؤلاء الأعداء … والمرأة التي تتخذ لها زوجاً لا تقاتل قط بعد الزواج، إلا إذا أرغمت على هذا العمل بالاشتراك في حملة عامة. وليس لهؤلاء النساء ثدي أيمن، وذلك لأن أمهاتهن يأتين بأداة من البرنز متوهجة من شدة حرارتها تصنع لهذا الغرض خاصة ويكوينهن بها وهن في سن الرضاع في مكان ثديهن الأيمن، فيقف بذلك نموه وتتحول كل قوته ونمائه إلى الكتف اليمنى والذراع اليمنى".
(٢) وأمر الهاتف زيوص الفريجيين أن يختاروا ملكا عليهم أول رجل يدخل الهيكل في عربة؛ وكان هذا الداخل هو جورديوس. ووهب الملك الجديد الإله عربته. وتنبأ هاتف جديد بأن من يفلح في حل العقدة المشكلة التي تربط النير بعريش العربة يحكم جميع بلاد آسية. فجاء الإسكندر- حسبما ترويه القصة- وقطع العقدة الجوردية بضربة سيفه.