للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولم يكن يستعمل إبريق للشاي في مثل هذه المحافل التي يطلق عليها "شا- نو- يو" (ومعناها ماء ساخن للشاي)؛ بل كان يوضع مسحوق الشاي في فنجان ممتاز في نوعه، ثم يصب فيه الماء الساخن، ثم يدور الفنجان بين الأضياف واحداً بعد واحد، كل منهم يمسح حافته مسحاً رقيقاً بمنشفة صغيرة، حتى إذا ما شرب آخر الشاربين آخر جرعة من الفنجان، أدير الفنجان بين الحاضرين من جديد ليفحصوه من الوجهة الفنية (٦٠)، وعلى هذا النحو كان احتفال الشاي حافزاً للخزافين على إنتاج أقداح وآنية بالغة الجمال، كما كان هذا الاحتفال عاملاً على صياغة آداب اليابانيين في صورتها الهادئة الفاتنة التي يراعى فيها تبادل الاحترام (١).

كذلك أصبحت الزهور موضع قدسية في اليابان؛ فكانت موضع تقدير من "ركيو" هذا الذي صاغ طقوس محافل الشاي، فكانت الزهور عنده تلقى من العناية ما تلقاه أقداح الشاي، ولما سمع أن "هيديوشي" آت لزيارته ليرى مجموعته المشهورة من زهور الأقحوان، أتى "ركيو" على كل الزهور في بستانه إلا واحدة، لعل هذه الواحدة تسطع في عيني هذا "السياف" المخيف سطوعاً يدرك منه أنها فذة في عالم الزهور (٢)؛ وأخذ فن تنسيق الزهور يتقدم خطوة بعد خطوة مع "سرعة الشاي" في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حتى إذا ما جاء القرن السابع عشر، أصبح موضعاً للاهتمام في حد ذاته، ونشأت طائفة "أساتذة الزهور" تعلم الرجال والنساء


(١) محصول الشاي هو الآن بالطبع أحد منتجات اليابان الهامة. ويظهر أن الشركة الهولندية للهند الشرقية هي التي جاءت إلى أوربا بأول ما عرفته من الشاي سنة ١٦١٠، وقد باعته حينئذ بواقع أربعمائة ريال تقريباً للرطل الواحد، وقد قال "جوناس هانواي" سنة ١٧٥٦ إن الرجال في أوربا يفقدون من طول قامتهم والنساء فيما يفقدون من جمالهن، بفعل شرب الشاي، وكان دعاة الإصلاح يحاربون هذه العادة بوصفهم إياها بالهمجية القذرة.
(٢) هذا "الحاكم العظيم" وهذا "العلم في عالم الشاي" قد تحابا كما يتحاب الرجلان العبقريان، وقد اتهم أولهما الثاني بتهمة الخيانة، لكنه بدوره اتهم بإفساد ابنة الثاني (ركيو) وأخيراً انتحر "ركيو" على طريقة هاراكيري.