للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المكان عام ١٨٧٧ م، إذ توجت جهودهم بالعثور على هذا التمثال مطموراً في طبقات من الأقذار والطين ظلت تتراكم عليه عدة قرون. وليس في وسع القارئ أن يتخيل صورة حقيقية له من وصفه، وصوره الشمسية، والنماذج التي تعمل له، بل على الإنسان أن يقف خاشعاً أمامه في متحف أولمبيا الصغير، ويمر بإصبعه خلسة على سطحه، لكي يدرك ما في نسيج هذا اللحم الرخامي من نعومة وحياة. أما موضوعه فهو أن الإله الرسول قد عهد إليه إنقاذ الطفل ديونيشس من غيرة هيرا وحمله إلى حور الغابات والبحيرات ليربينه في السر. ويقف هرمس في الطريق، ويضطجع على جذع شجرة ويمسك بعنقود من العنب أمام الطفل. وليس تمثال الطفل نفسه جيد الصقل، كأن تمثال الإله الأكبر قد استنفذ جميع وحي الفنان. وقد ضاعت ذراع هرمس اليمنى وأعيدت إليه بعض أجزاء من الساقين، أما بقية الجسم فيبدو أنها هي كما صاغتها يد المثال. وتكشف الأطراف المتينة ويكشف الصدر العريض عن قوة الجسم وصحته؛ والرأس في حد ذاته آية فنية رائعة بجماله الأرستقراطي، ومعارفه الرقيقة وشعره المنثني، والقدم اليمنى قد بلغت درجة الكمال حيث يندر الكمال في التمثيل. وكان الأقدمون يعدون هذا التمثال من أعمال الفنان الصغرى، وفي وسعنا أن نحكم من هذا على مقدار ما كان يمتاز به هذا العصر من ثروة فنية عظيمة.

ويصف بوسنياس (٣٨) في فقرة أخرى مجموعة رخامية أقامها بكستليز في منتينيا. ولم يعثر المنقبون إلا على قاعدة هذه المجموعة، تحمل تماثيل لثلاث من ربات الفن لعل الذين نحتوها هم التلاميذ لا الأستاذ نفسه. وإذا جمعنا ما في بوسنياس من إشارات إلى تماثيل بركستليز في الكتابات اليونانية التي كانت موجودة في أيامه، خرجنا منها بنحو أربعين من الأعمال الكبرى (٣٩)؛ وما في شك في أن هذه الأربعين لم تكن إلا جزءاً من إنتاجه العظيم. ونحن إذا درسنا القطع الباقية من هذه الأعمال نجد فيها ما نجده في تماثيل فدياس