للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

التحفة في الزمن القديم بتحف جوسيا ودجود في الزمن الحديث (١).

وظلت الموسيقى شائعة بلين جميع طبقات السكان، وتبدلت فيها السلالم والأنغام في اتجاه الرقة والجدة (١)؛ وأدخلت الأنغام الناشزة القصيرة في النغمات المتوافقة؛ وازدادت الآلات والتآليف الموسيقية تعقيداً (٢). وكبرت "زمارات بان" القديمة حوالي عام ٤٢٠ في الإسكندرية حتى صارت مجموعة من الزمارات البرنزية، وحسن تسبيوس حوالي عام ١٧٥ هذه الآلة فجعلها أرغناً يدار بالماء والهواء مجتمعين ويجعل في مقدور العازف أن يُحدث به نغمات من الصوت جد طويلة. ولسنا نعرف عن تركيب هذه الآلة أكثر مما ذكرنا، ولكننا سنرى كيف تطورت تطوراً سريعاً في أيام الرومان حتى صارت هي أرغن المسيحية وأرغن هذه الأيام (٣). وكانت الآلات تجتمع فيتكون منها جوقة العازفين؛ وكانت ألحان من الموسيقى الآلية الخالصة مكونة في بعض الأحيان من خمس حركات تُعزف في ملاهي الإسكندرية وأثينة وسرقوسة (٤). ونال عدد من مهرة الموسيقيين شهرة واسعة وأصبحت لهم مكانة اجتماعية تتناسب مع أجورهم العالية. وفي عام ٣١٨ كتب أرستكسنوس Aristoxenus التاراسي، تلميذ أرسطو، رسالة صغيرة تُدعى قواعد الألحان صارت هي النص القديم الذي يُرجع إليه في النظريات الموسيقية. وكان أرستكسنوس هذا رجلاً جاداً، لم يستسغ كما لم يستسغ معظم الفلاسفة موسيقى زمانهم. ويروي عنه أثينيوس قوله في عبارات سمعتها أجيال كثيرة من بعده: "بعد أن طغت البربرية على دور التمثيل، وبعد أن فسدت الموسيقى وقُضي عليها القضاء الأخير، وأصبحنا نحن أقلية صغرى في هذا الزمان، نستعيد في عقولنا، ونحن جالسون بمفردنا، ما كانت عليه الموسيقى في الأيام الخالية" (٥).

أما عمارة العصر الهلنستي فليس لها وقع في نفوسنا لأن الدهر قد عدا عليها


(١) وقد سميت كذلك نسبة إلى دوق بورتلاند الذي جاء بها إلى رومة. وهي الآن في المتحف البريطاني.