للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

التي كانت مركزاً غنياً لصيد السمك ومنفذاً لخشب الإقليم المجاور لها ومعادنه، وأميسس Amisus (سمسون) وطربيزس (طربزون) وكان أهلهما يكسبون عيشهم بالاتجار مع سكوذيا (جنوبي روسيا) المقابلة لهما على شاطئ البحر، وأماسيا Amasea التي وُلِد وعاش فيها أسترابون أعظم الجغرافيين الأقدمين.

وكان أسترابون ينتمي إلى أسرة غنية تنحدر، كما يؤكد هو، من ملوك بنتس. وكان مصاباً بحَوَلْ غريب (١) لا يزال يسمى باسمه حتى الآن (٧٤). وكان كثير الأسفار، ويلوح أن أسفاره كانت في بعثات دبلوماسية، وكان ينتهز كل فرصة مستطاعه لجمع المعلومات الجغرافية والتاريخية. وكَتَبَ تاريخاً مكملاً لتاريخ بولبيوس ولكنه فُقِد؛ ثم أخرج في عام ٧ ق. م كتابه العظيم الجغرافية الذي حفظت لنا الأيام جميع أجزائه السبعة عشر تقريباً. وقد بدأه كما بدأ أريان كتابه بالتحدّث عن مزاياه فقال:

"إني استسمح قرّائي، وأطلب إليهم ألا يلوموني لطول بحثي بدل أن يلوموا أولئك الذين يحرصون أشد الحرص على معرفة كل ما هو شهير وقديم … ولابد لي في هذا الكتاب من أن أغفل الصغير من الأشياء، وأن أخص بالعناية ما هو نبيل وعظيم … سواء كان نافعاً، أو ذائع الصيت، أو باعثاً للبهجة والمتعة. وكما أننا إذا أردنا أن نحكم على قيمة تمثال ضخم لا نبحث كل جزء من أجزائه بدقة وعناية، بل ننظر إلى الأثر العام الذي ينطبع في أذهاننا منه … فكذلك يجب أن يُحكم على كتابي هذا بالطريقة عينها. ذلك بأنه هو أيضاً عمل ضخم … خليق بأن يكون من عمل فيلسوف" (٧٥).

وهو يعترف في صراحة بأنه يأخذ عن بولبيوس وبسيدونيوس، ولكنه أقل صراحة فيما يأخذ من أرتسشنيز، ويشتدّ عليهم جميعاً في نقد أخطائهم،


(١) Strabismus (المترجم)