للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المبعوث لهداية العرب إلى حياة أخلاقية جديدة وإلى دين التوحيد. وقد لاقى في سبيل دعوته صعاباً كثيرة. ذلك أن الأفكار الجديدة لا يقبلها الناس إلا إذا كانوا يرجون من ورائها نفعاً مادياً عاجلاً، وأن محمداً كان يعيش في مجتمع تجاري متشكك يحصل على جزء من إيراده من الحجاج الذي يفدون على الكعبة لعبادة آلهتها الكثيرة، وكان مما تغلب به على بعض هذه الصعاب ما وُعِد به المؤمنون من النجاة في الدار الآخرة من نار جهنم والاستمتاع بنعيم الجنة. وكان محمد يستقبل في داره كل من أراد الاستماع إليه، غنياً كان أو فقيراً أو عبدا رقيقاً، ومن العرب والمسيحيين واليهود، وقد تأثر بحماسته وبلاغته قوله عدد قليل ممن جاءوا إليه وآمنوا به، وكان أول من آمن برسالته زوجته المسنة السيدة خديجة وآمن بها من بعدها ابن عمه علي، ثم خادمه زيد وكان قد اشتراه بالمال ثم أعتقه من فوره، ثم قريبه أبو بكر وهو رجل من ذوي المكانة العالية في قريش. واعتنق الدين الجديد بتأثير أبي بكر خمسة من زعماء مكة (١)، كونوا معه "صحابة" محمد الستة. وهم الذين أخذت عنهم فيما بعد السنن الإسلامية ذات المكانة السامية في الدين الإسلامي. وكثيراً ما كان محمد يدخل الكعبة، ويتحدث إلى الحجاج، ويدعوهم لعبادة إله واحد (٢). وسخرت قريش أول الأمر من دعوته ولكنها صبرت عليها، وقالت إن بعقله خبالاً وعرضت أن ترسله على نفقتها إلى طبيب يرجى أن يشفيه من جنونه، فلما أن أخذ يهاجم دينهم ويقول إن الشعائر التي يقومون بها في الكعبة ليست إلا عبادة لما فيها من الأوثان هبوا للدفاع عن


(١) هؤلاء هم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله (سيرة بن هشام ص ١٦٥). أما أصحاب الرسول الذين أخذت عنهم سنته فليسوا هؤلاء الخمسة مع أبي بكر فقط بل هم كثرة كما هو معروف. (ي)
(٢) كان الرسول يتعرض للوافدين إلى مكة للحج من قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام. (ي)