للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

خيرَ ما في الغرب أو الشرق، وكان هذا العداء المتبادل عاملاً فعّالاً في تاريخ العصور الوسطى كله، مضافاً إليه دين ثالث هو الدين اليهودي قائماً بين الطائفتين المحتربتين الرئيسيتين يتلقى ضربات كلتيهما. وخسر الغرب الحروب الصليبية، ولكنه ربح معركة الأديان؛ فقد وطرد كل مسيحي محارب من الأرض المقدسة؛ ولكن المسلمين، وقد استنزف النصر البطيء دمائهم، وخرب المغول بلادهم، مرت بهم فترة من العصور المظلمة ساد فيها الجهل والفقر، على حين أن الغرب المنهزم قد أنضجه ما بذل من جهود، فنسي هزائمه، وأخذ عن أعدائه التعطش إلى العلم والولع بالرقي. فأقام الكنائس عالية تناطح السحاب، وأخذ يجوب ميادين العقل، وحوّل لغاته الفجة الجديدة إلى أساليب دانتي وتشوسر Chaucer وفيون Villon، وسار تحدوه العزة إلى النهضة.

وبعد فإن القارئ العادي ستعتريه الدهشة من طول هذه الإلمامة بحضارة المسلمين، وسيأسف الباحث لما يجده فيها من إيجاز غير خليق بها. إن عصور التاريخ الذهبية دون غيرها هي التي أنجب فيها المجتمع، في مثل هذا الزمن القصير، ذلك العدد الجم من الرجال الذين ذاع صيتهم في الحكم، والتعليم، والآداب، واللغة، والجغرافية، والتاريخ، والرياضة. والفلك، والكيمياء، والفلسفة، والطب، كما أنجب الإسلام في الأربعة القرون الفاصلة بين هارون الرشيد وابن رشد. وقد استمد بعض هذا النشاط المتلألئ مادته من تراث اليونان، ولكم الكثير منه، وبخاصة في الحُكم، والشعر، والفن كان نشاطاً مبتكراً لا تقدر قيمته. ولقد كانت هذه الذروة من نهضة الإسلام من بعض نواحيها تحريراً للشرق الأدنى من سيطرة اليونان العلمية، ولم تمتد إلى فارس الساسانية والأكيمينية فحسب، بل امتدت كذلك إلى بلاد اليهود وبلاد سليمان، وإلى أشور بلاد أشور بانيبال، وإلى بابل حمورابي، وأكاد سرجون، وسومر بلد الملوك الذين لا تعرف أسماؤهم. وهكذا يثبت مرة أخرى اتصال حلقات التاريخ