للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وكان يرجو أن يُبقي بهذه الخاتمة السعيدة على نفسية بني وطنه المنفيين ويؤخر اندماجهم في الثقافة البابلية وفي الدم البابلي. فقد خيل إليه كما خيل إلى غيره في هذه الأيام أن هذا الاندماج سيقضي على مجدة اليهود وعلى كيانهم أيضا؛ ذلك أنهم قد أثروا وحسنت حالهم في أرض الجزيرة الغنية، حيث كانوا يتمتعون بقسط موفور من الحرية في عاداتهم وفي عبادتهم؛ وسرعان ما زاد عديدهم ونمت ثروتهم، وأيسروا فيما عاد به عليهم خضوعهم من هدوء ووفاق لم يتعودوهما من قبل. أخذت طائفة منهم مطردة الزيادة تعبد الآلهة البابلية، وتؤلف الأساليب الشهوانية الشائعة في العاصمة القديمة، حتى إذا كان الجيل الثاني من أبناء المنفيين كان ذكرى أورشليم قد محيت أو كادت تمحى من أذهانهم.

وقد رأى المؤلف المجهول، الذي أخذ على عاتقه أن يكمل سفر إشعيا، أن يعيد ذلك الجيل المرتد إلى دين إسرائيل. وكان مما يمتاز به هذا المؤلف وهو يعمل على إعادتهم إلى دينهم القديم أن يرقى بهذا الدين إلى مستوى رفيع لم يرق إليه دين من الأديان التي ظهرت في الشرق الأدنى حتى ذلك الوقت (١)؛ فبينما كان بوذا في الهند ينادي بقمع الشهوات، وبينما كان كنفوشيوس في الصين يصوغ الحكمة لشعبه، كان "إشعيا الثاني" هذا يعلن لليهود المنفيين في نثر جزل مشرق مبادئ التوحيد، ويعرض عليهم إلهاً جديداً شفيقاً عليهم رحيماً بهم، يفوق في شفقته ورحمته ما كان عليه يهوه الغضوب كما صوره إشعيا الأول نفسه. وشرع هذا النبي العظيم يعلن في الناس رسالته بعبارات اختارها أحد الأناجيل المتأخرة ليستحث بها المسيح الشاب على أن يؤدي هو الآخر رسالته. ولم تكن هذه


(١) ولسنا نعرف شيئاً من تاريخ هذا الكاتب الذي اختار أن يتحدث على لسان إشعيا، وهي طريقة أدبية كانت شائعة في ذلك الوقت. وكل ما نستطيع أن نحزره من أمره أنه كتب قبيل تحرير اليهود على يد قورش أو بعيد هذا التحرير. ويعزو دارسو التوراة إلى هذا الكاتب الأصحاحات من ٤٩ إلى ٥٥ كما يعزونا إلى كاتب آخر مجهول أو كتاب مجهولين الأصحاحات من ٥٦ إلى ٦٦.