للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكسب، يلقي الخطب، ويعلّم التلاميذ، ويترافع في المحاكم عن المتقاضين، ويعيش في بيوت الأغنياء مستشاراً روحياً، ويكون أحياناً مبعوثاً مكرماً لدولة - مدينته. وازدهرت هذه الحركة في جميع أنحاء الإمبراطوريّة، وبخاصة في العالم اليوناني، في خلال الثلاثة القرون الأولى من التاريخ الميلادي، وقد وصفهم ديو بقوله إن الفلاسفة لم يكونوا وقتئذ يقلّون عددا عن الأساكفة (١٨). ولم يكن لهؤلاء السفسطائيين الجدد، كما لم يكن لإخوانهم الأقدمين، مبادئ مشتركة بينهم، وكانوا يصوغون تعاليمهم في عبارات بليغة، ويجذبون إليهم عدداً كبيراً من المستمعين، ويصلون في كثير من الأحيان إلى مراكز عالية في المجتمع، وينالون رضا الأباطرة، ويجمعون ثروات طائلة. وكانوا يختلفون عن السفسطائيين الأقدمين في أنهم قلّما كانوا يتعرّضون لشؤون الدين أو الأخلاق، بل كان همّهم منصرفاً إلى الشكل والأسلوب، والفن الخطاب والحذق فيه، أكثر من انصرافه إلى المسائل الكبرى التي زعزعت عقائد العالم ومبادئه الأخلاقية. والحق أن السفسطائيين الجدد كانوا من الأنصار المتحمّسين للدين القديم، ولقد احتفظ لنا فيلوستراتس Philostratus بتراجم زعماء السفسطائيين في ذلك العصر، وحسبنا أن نضرب مثلاً واحداً منهم. كان أدريان Adrian الصوري يدرس البيان في أثينة وارتقى حتى صار فيها أستاذ البيان للدولة. وكان يبدأ خطبته الافتتاحية بتلك العبارة الدالة على الفخر والكبرياء: "ها قد عادت الآداب مرة أخرى من فينيقية". وكان يأتي إلى محاضراته راكباً عربة تجرها جياد ذات عدّة من الفضة، وعليه ثياب تتلألأ فيها الجواهر، ولما زار ماركس أورليوس مدينة أثينة أحبّ أن يمتحن أدريان فطلب إليه أن يرتجل خطبة في موضوع صعب. واجتاز أدريان هذا الاختبار بنجاح جعل هدريان يخلع عليه كثيراً من أسباب التكريم، من ذهب، وفضة، وبيوت وعبيد. ولما ارتقى أستاذاً للبيان في روما، كانت محاضراته جذّبة مغرية إلى حد جعل أعضاء مجلس الشيوخ يؤجلون جلساته وجمهور السكان