للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

للكسب. وكاد مصرف جنوى يكون هو الدولة، فقد كان يقرض المدينة المال بشرط أن يحصل هو إيرادتها، وكان بفضل سلطانه هذا يسيطر على الحكومة، وكان كل حزب يتولى السلطة يتعهد بأن يكون وفياً مخلصاً للمصرف؛ ولكن أهل جنوى كان لهم من الشجاعة بقدر ما لهم من حب الكسب، فقد تعاونوا مع أهل بيزا على إخراج المسلمين من غربي البحر المتوسط (١٠١٥ - ١١١٣)، ثم حاربوا بيزا حروباً منقطعة حتى قضوا على القوة المنافسة لهم في واقعة ملوريا Meloria البحرية (١٢٨٤). وجندت بيزا في هذه الحرب الأخيرة كل من كان فيها من الرجال بين العشرين والستين من العمر، كما جندت جنوى كل من كان فيها بين الثامنة عشرة والسبعين. وتلك حقيقة في وسعنا أن نعرف منها روح ذلك العصر وحالته النفسية. وكتب الراهب سلمبيني Salimbene في ذلك يقول "بين أهل بيزا وأهل جنوى، وكذلك بين أهل بيزا وأهل لوكا Lucca، الحقد والاشمئزاز الطبيعي بقدر ما بين الآدميين والأفاعي" (٢١). وظل الرجال يقتتلون يداً بيد في هذه الواقعة الأخيرة التي حدثت في البحر قرب ساحل قورسقة حتى هلك نصف المحاربين "وارتفعت في جنوى وبيزا أصوات الحزن والعويل كما لم ترتفع في هاتين المدينتين من يوم أنشئنا إلى أيامنا هذه" (٢٢). ولما علم أهل لوكا وفلورنس الأخبار بالكارثة التي حلت ببيزا وفلورنس ظنوا أنهم قد لاحت لهم أحسن فرصة لإرسال حملة لقتال تلك المدينة البائسة، ولكن البابا الرابع أمرهم أن يكفوا عن القتال، واندفع أهل جنوى في هذه الأثناء نحو الشرق وتضاربت مصالحهم مع مصالح البنادقة، فنشأت بينهم أشد الأحقاد، وتنازع أهل المدينتين في عام ١٢٥٥ على امتلاك عكا، وانحاز فرسان المستشفى في المعركة إلى جانب أهل جنوى، كما انضم فرسان المعبد إلى البنادقة؛ وسقط في هذه المعركة وحدها عشرون ألف رجل (٢٣)، وكانت سبباً في تحطم وحدة المسيحيين في بلاد الشام، ولعلها هي التي قررت