للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمريّ، وهو مبنيّ على مرجوح من أن كاد إذا دخل عليها حرف النفي كانت للإثبات، وإذا جردت من النفي كانت للنفي.

والراجح أنها كسائر الأفعال، معناها الإثبات عند تجردها من النفي، ومعناها النفي عند دخول النفي عليها، وعلى هذا فعمر لم يصل، لأن كاد هنا دخل عليها النفي، فصار معناها نفيًا، يعني نفي قرب الصلاة، كما في قولك: ما كاد زيد يفعل، نفي قرب الفعل، وإذا نفي قرب الصلاة فنفي الصلاة بطريق الأَوْلى، وعلى أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان صلى. يقال فيه إن عمر كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس دون بقية الصحابة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر بالصلاة، ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.

وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد عن أبي جمعة، "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: "هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب".

وفي صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر: "والله ما صليتها". وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما وقد وقع عند أحمد والنسائي عن أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: {فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا}.

<<  <  ج: ص:  >  >>