للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في جيش الخبط، وكان ذلك بعد الهجرة لكن في إسناده عَلِيّ بن يَزيد بن جَدعان، وهو ضعيف، وأما ما رواه الطبري عن عائشة قالت: احتجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حَصِيرًا ... فذكر الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه قبل خمسة أبواب، ومرّ هناك محل استيفاء الكلام عليه، وفيه: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن خير العمل أدومه وإنْ قَلّ" ونزلت عليه: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} فكتب عليه قيام الليل: وأنزلت منزلة الفريضة، حتى إن كان بعضهم ليربط الحبل فيتعلق به، فلما رأى الله تكلفهم ابتغاء رضاه، وضع ذلك عنهم، فردهم إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام اللّيل إلا ما تطوعوا به فإنه يقتضي أن السورة كلها مدنية، لكن فيه موسىِ بن عُبَيدة، وهو شديد الضعف، فلا حجة فيما تفرّد به، ولو صح ما رواه لاقتضى ذلك وقوع ما خَشي منه عليه الصلاة والسلام، حيث ترك قيام اللّيل بهم خشية أن يفرض عليهم. والأحاديث الصحيحة دالة على أن ذلك لم يقع، وقد مرّ بعض الكلام على وجوب قيام اللّيل في أول التهجد.

وقوله: {إِلَّا قَلِيلًا} أي: منه، وروى ابن أبي حاتم عن وَهْب بن مُنَبّه قال: القليل ما دون المعشار والسدس، وفيه نظر، لما سيأتي قريبًا. وقوله: {نِصْفَهُ} يحتمل أن يكون بدلًا من "قليلاً" فكأنَّ في الآية تخييراً بين قيام النصف بتمامه، أو قيام أنقص منه أو أزيد. ويحتمل أن يكون قوله: {نِصْفَهُ} بدلًا من الليل، وإلا قليلًا استثناء من النصف، حكاه الزمخشريّ، وعليه المعنى قم أقل من نصف الليل، والضمير في منه من قوله: {أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين: أن يقوم أقل من النصف على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين؛ النقصان من النصف، والزيادة عليه.

وتعقبه في "البحر" بأنه يلزم منه التكرار؛ لأنه على تقديره قم أقل من نصف الليل، يكون قوله: {أَوِ انْقُصْ} من نصف الليل تكرارًا، ووصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. قال في "الفتح" وبالأول جزم الطبري، وأسند ابن أبي حاتم معناه عن عطاء الخراسانى، وقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أي: اقرأه مترسلاً، بتبيين الحروف وإشباع الحركات. وروى مُسْلم عن حفصة أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- "كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها". وقوله: {قَوْلًا ثَقِيلًا} أي: القرآن، وعن الحسن العمل به. أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج أيضًا من طريقة أخرى عنه قال: ثقيلًا في الميزان يوم القيامة، وتأوَّله غيره على ثقل الوحي حين ينزل كما تقدم في بدء الوحي.

وقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} قال ابن عباس: تنشّأ قام، بالحبشة يعني، فيكون قوله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ} أي: قيام الليل، وهذا التعليق وصله غيد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جُبير عنه، ووصله ابن أبي حاتم عن أبي ميسرة عن ابن مسعود أيضًا، وذهب الجمهور إلى أنه ليس في القرآن شيء بغير العربية، وقالوا: ما ورد من ذلك فهو من توافق اللغتين، وعلى هذا فناشئة الليل مصدر بوزن فاعلة من نشأ إذا قام، أو اسم فاعل، أي: النفس الناشئة بالليل، أي التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض. وحكى أبو عبيد في "الضريبين" أن كل ما حدث بالليل وبدا فهو ناشىء،

<<  <  ج: ص:  >  >>