للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأن النياحة حرامٌ مطلقًا، وهو مذهب العلماء كافة.

وقد جاء النقل من غير هذا المالكيّ أن النياحة ليست بحرام، وهو شاذٌ مردود، وقد أبداه القرطبيُّ احتمالًا، ورده بالأحاديث الواردة في الوعيد على النياحة، وهو دال على شدة التحريم، لكن لا يمتنع أن يكون النهيُ أولًا ورد بكراهة التنزيه، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فيكون الإذن لمن ذكر وقع في الحالة الأولى، لبيان الجواز، ثم وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد.

وقد لخص القرطبيّ بقية الأقوال التي أشار إليها النوويّ، منها دعوى أن ذلك كان قبل تحريم النياحة، قال: وهو فاسد، لمساق حديث أم عطية هذا, ولولا أن أم عطية فهمت التحريم، لما استثنت، ويؤيده أيضًا أن أم عطية صرحت بأنها من العصيان في المعروف، وهذا وصف المحرم، ومنها أن قوله: إلا آل فلان، ليس فيه نصٌّ على أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم بالنياحة، فيمكن أنها تساعدهم باللقاء والبكاء الذي لا نياحة معه، وهذا أشبه مما قبله، بل يرد على الأول ورود التصريح بالنياحة كما مرَّ كثيرًا، ويرو على الثاني أن اللقاء والبكاء المجرد لم يدخل في النهي كما مرَّ، فلو وقع الاقتصار عليه، لم يحتج إلى تأخير المبايعة حتى تفعله.

ومنها يحتمل أن يكون أراد "إلاّ آل فلان" على سبيل الإِنكار، كما قال لمن استأذن عليه فقال: مَنْ ذا؟ فقال: أنا، فقال: أنا أنا، فأعاد عليه كلامه منكرًا عليه. ومنها أن ذلك خاص بأُم عطية، قال: وهو فاسد فإنها لا تختص بتحليل شيء من المحرمات، ويقدح في دعوى تخصيصها أيضًا ثبوت ذلك لغيرها.

ويعرف منه أيضًا الخدش في الأجوبة الماضية، فقد أخرج ابن مَرْدَوَيه عن ابن عباس قال: لما أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النساء، فبايعهن على أنْ لا يشركنَ بالله شيئًا الآية، قالت خولة بنت حكيم: يا رسول الله، كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية، وإن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها .. الحديث. وأخرج التِّرمذيّ عن أم سلمة الأنصارية أسماء بنت يزيد قالت: قلت يا رسول الله، إن بني فلان أسعدوني على عمي، ولابد من قضائهن، فأبى، قالت: فراجعته مرارًا، فأذن لي، فلم أنح بعد.

وأخرج أحمد والطبريّ عن مصعب بن نوح قال: أدركتُ عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالت: فأخذ علينا "ولا ينحن" فقالتْ عجوزٌ: يا نبي الله، إن ناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أُريد أن أُسعدهم. قال: فاذهبي فكافئيهم. ثم إنها أتت فبايعته. وظهر من هذا كله أن أقرب الأجوبة أنها كانت مباحة ثم كرهت كراهة تنزيه ثم تحريم.

<<  <  ج: ص:  >  >>