للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[أثر العنة فى عقد الزواج]

المفتي

جاد الحق على جاد الحق.

٢٥ رمضان ١٤٠١ - ٢٦ يولية ١٩٨١ م

المبادئ

١ - العنة ابتداء عيب يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها.

٢ - اعتراف الزوجة بوصول زوجها إليها مانع من سماع دعواها أنه عنين بعد ذلك.

٣ - إذا وصل الزوج إلى زوجته وقاعا فى مكان الحرث منها ولو مرة فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض يحول دون الوصول إلى حرثها.

٤ - يحصل حق المرأة بالوطء مرة وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الوقاع متعنتا مع القدرة على الوطء.

٥ - على الزوجين الامتثال لأوامر الله سبحانه بالمعاشرة بالمعروف فإذا استحالت العشرة وانعدم السبب الشرعى للتفريق قضاء، فلا جناح عليهما فيما افتدت به

السؤال

بالطلب المقدم من الأستاذ/ م ع ق - المحامى المقيد برقم ٤٦ لسنة ١٩٨١ الذى يطلب فيه حكم الشريعة الغراء فى امرأة تزوجت رجلا يكبرها بسبعة عشرة عاما.

وأنجبت منه على فراش الزوجية الصحيحة ولدا وبنتا، ومنذ وضعها للبنت من نحو ستة عشر عاما لم يقربها بالمعاشرة الزوجية معللا بأنه مريض بالقلب، وقد عرض الزوج على العديد من الأطباء، ولم يجدوا به مرضا عضويا يمنعه من ذلك.

وقد تعرضت الزوجة بسبب عدم قضاء رغبتها الجنسية لحالة مرضية خطيرة جعلتها تطلب من زوجها الطلاق إلا أنه رفض.

والسؤال هل من حق هذه الزوجة طلب الطلاق لهذا السبب

الجواب

اتفق علماء الشريعة الإسلامية على أن سلامة الزوج من بعض العيوب شرط أساسى للزوم الزواج بالنسبة للمرأة.

بمعنى أنه إذا تبين لها وجود عيب فيه كان لها الحق فى رفع أمرها إلى القاضى طالبة التفريق بينها وبين زوجها المعيب.

والفقهاء وإن اختلفوا فى تحديد هذه العيوب إلا أنهم اتفقوا على أن العنة عيب يجيز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها.

والعنة - بضم العين وفتحها - الاعتراض، من عن بالبناء للمفعول.

والعنين فى اللغة من لا يقدر على الجماع، وشرعا من تعجز آلته عن الدخول فى قبل زوجته وموضع الحرث منها.

وأكثر (المغنى لابن قدامة الحنبلى مع الشرح الكبير ج - ٧ ص ٦١٠ والمحلى لابن حزم ج - ١١ ص ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٢) أهل العلم على أن الزوجة إن اعترفت أن زوجها قد وصل إليها بطل أن يكون عنينا، فإذا ادعت عجزه بعد هذا لم تسمع دعواها ولم تضرب له مدة، بهذا قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعى وأحمد بن حنبل وعطاء وطاووس والأوزاعى والليث بن سعد والحسن بن يحيى وشريح وعمرو بن دينار وأبو عبيد.

ومقتضى هذا أن الزوج إذا وصل إلى زوجته وقاعا فى مكان الحرث منها ولو مرة، فلا يفرق بينهما بما طرأ عليه من مرض وقف به دون تكرر الوصول إلى حرثها.

وهذا هو ما روى أيضا عن الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه.

قال إن على الزوجة أن تصبر إن كانت العلة طارئة، وكان قد سبق له جماعها.

وقد نص فقهاء المذهب الحنفى فى هذا الموضع على أنه ((الفتاوى الخانية المطبوعة على هامش الفتاوى الهندية ج - ١ ص ٤١٢ طبعة ثانية بولاق.

الأميرية ١٣١٠ هجرية) ولو تزوج ووصل إليها ثم عجز عن الوطء بعد ذلك، وصار عنينا، لم يكن لها حق الخصومة..) وعلى أنه (الدر المختار للحصكفى شرح تنوير الابصار للعلائى وحاشية رد المختار لابن عابدين ج - ٢ ص ٩١٧، ٩١٨ والبحر الرائق لابن نجيم المصرى الحنفى ج - ٤ ص ١٣٥) فلو جن بعد وصوله إليها مرة أو صار عنينا بعد الوصول إليها لا يفرق بينهما لحصول حقها بالوطء مرة، وما زاد عليها فهو مستحق ديانة لا قضاء، ويأثم إذا ترك الديانة متعنتا مع القدرة على الوطء) وفقه هذا المذهب هو المعمول به قضاء فى التفريق بين الزوجين بسبب تعيب الزوج بالعنة، بل على وجه العموم بالنسبة لعيوب التناسل، كما تشير إلى هذا المذكرة الإيضاحية للقانونين رقمى ٢٥ لسنة ١٩٢٠ و ٢٥ لسنة ١٩٢٩ إذ جاء بها فى الفقرة الخامسة ما يلى (ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن التفريق بالطلاق بسبب اللعان أو العنة أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب أبى حنيفة) ومن ثم فلا يسرى على الادعاء بالعنة حكم المادة التاسعة من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ كما نبهت إلى ذلك المذكرة الإيضاحية على الوجه السابق.

لما كان ذلك وكان البادى من السؤال أن هذه الزوجة قد وصل إليها زوجها وأنجبت منه ابنا وبنتا فى مراحل التعليم المختلفة، ثم إنه توقف عن وقاعها منذ حملت فى ابنتهما التى بلغت سنها الآن ست عشرة سنة.

إذ كان ذلك فقد بطل عن هذا الزوج وصف العنة، ولم يبق لزوجته هذه حق فى طلب التفريق بينها وبينه قضاء لهذا السبب لحصول حقها فى المباشرة بينهما والإنجاب، وإن كان الزوج يأثم ديانة إذا ترك وقاعها متعنتا مع القدرة عليه (المراجع السابقة فى فقه المذهب الحنفى) ومع هذا ففيما نقل عن الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه النصيحة المثلى لهذه الزوجة، إذ عليها وفقا لقوله أن تصبر وتصابر نفسها وتستعين على تهدئة أحوالها ورغباتها الجسدية بالصوم، كما نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشريف (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (صحيح البخارى ج - ٤ ص ٢١٨) وليستمع الزوجان إلى قول الله سبحانه {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها} البقرة ٢٢٩ - ٢٣١،، وإلى قوله تعالى {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} ، وعلى الزوجين الامتثال لأوامر الله سبحانه فى القرآن الكريم (سورة النساء الآية ١٩ وسورة الطلاق الآية ٦) بالمعاشرة بالمعروف، فإذا استحالت العشرة وانعدم السبب الشرعى للتفريق بين الزوجين قضاء فقد وجه الله سبحانه فى القرآن الكريم إلى حل عقدة الزواج بقوله {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} والله سبحانه وتعالى أعلم

<<  <  ج: ص:  >  >>