للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[نقل الأعضاء من انسان إلى آخر]

المفتي

جاد الحق على جاد الحق.

محرم ١٤٠٠ هجرية - ٥ ديسمبر ١٩٧٩ م

المبادئ

١ - الإيصاء ببعض أجزاء الجسم لا يدخل فى نطاق الوصية بمعناها الشرعى.

٢ - إرادة الإنسان بالنسبة لشخصه مقيدة بعدم إهلاك نفسه.

٣ - يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حى متبرع لوضعه فى جسم إنسان حى بشروطه، كما يجوز نقل الدم من إنسان لآخر بذات الشروط متى غلب على ظن الطبيب واتفادة هذا الأخير بهذا النقل.

٤ - يكون قطع العضو أو جزئه من الميت إذا أوصى بذلك قبل وفاته، أو بموافقة عصبته.

وهذا إذا كانت شخصيته وأسرته معروفة.

وإلا فبإذن النباية العامة. ٥ - يمتنع تعذيب المريض المحتضر باستعمال أى أدوات أو أدوية متى بان للطبيب أن هذا كله لا جدوى منه.

٦ - عند تزاحم المرضى على ضرورة نقل عضو أو دم إليهم بينما الموجود عضو واحد أو كمية دم لا تكفى إلا لواحد منهم يكون للطبيب إيثار بعضهم بذلك إذا غلب على ظنه انتفاع ذلك المريض به وإلا تجرى القرعة بينهم فى ذلك

السؤال

١ - هل يجوز الوصية بقطع عضو أو جزئه من الميت إذا أوصى بذلك أو بموافقة عصبته.

٢ - هل ينطبق على هذه الوصية المعنى الشرعى أو القانونى أو اللغوى.

٣ - هل يجوز تببرع إنسان حى بعضو من أعضاء جسده لشخص آخر مهدد بالموت أو التبرع ببعض دمه، وما معيار ذلك وهل يجوز اقتضاء مقابل مادى فى نظير العضو أو الدم المتبرع به.

٤ - هل يمكن نقل عضو من ميت دون وصية منه أو ترخيص من ورثته.

ومن أصحاب الحق فى هذا الترخيص شرعا. ٥ - ما هو التعريف الفقهى للموت.

ومتى يعتبر الإنسان ميتا.

٦ - ما حكم شق بطن من ماتت حاملا وجنينها حى، وما إذا مات الجنين فى بطن أمه وما حكم شق شطن الميت لاستخراج ما يكون قد بالتلعه من مال قبل وفاته وآراء الفقهاء فى ذلك والرأى المختار للفتوى.

٧ - ما حكم المفاضة بين عدد من المرضى تساوت حالتهم المرضية فى وجوب نقل عضو أن نقل دم مع عدم وجود أعضاء أو كمية من الدم أو الدواء كافية لإنقاذ الجميع.

٨ - ما حكم الإسلام فى استعمال الأجهزة الطبية التى تساعد على التنفس والنبض مع التأكد من موت الجهاز العصبى.

وقد وردت تلك الأسئلة بالطلب المقدم من السيد / المستشار عبد المجيد أبو طالب - المقيد برقم ١٤٩ سنة ١٩٧٩ المتضمن أنه قد انتشر فى بلاد الغرب التبرع أو الإيصاء ببعض أجزاء الجسم بعد الوفاة خدمة للمرضى المحتاجين إليها كالكلى والقرنية وغيرها - ويطالب بعض الأطباء فى مصر بنشر هذا التقليد النافع.

وأن للسائل رغبة فى مسايرتهم للاعتبارات الإنسانية - إلا أنه يخشى أن يكون فى ذلك مخالفة لتعاليم الدين أو امتهان للجسم البشرى.

وبالطلب المقدم من السيد / ناجى مصطفى كمال - الطالب بنهائى طب الأزهر والمقيد برقم ١٧٧/٩٧٩ الذى جاء به أن لديه رغبة فى كتابة وصية نصها (أتبرع بجسدى بعد الوفاة لمشرحة كلية طب جامعة الأزهر للاستفادة من الأعضاء السليمة إذا لزم الأمر لزراعتها للمحتاجين إليها من المسلمين أو للاستفادة بها بقسم التشريح للدراسة العملية لطلاب الكلية) .

وطلب السائل الأول بيان ما إذا كان يوجد من النصوص الشرعية والفقهية ما يؤيد اتجاهه وطلب السائل الآخر بيان ما إذا كانت وصيته على هذا الوجه مقبولة من الناحية الشرعية، وإذا لم تكن مقبولة شرعا، فهل هناك قانون وضعى يبيح هذه الوصية

الجواب

إن الوصيلة فى اصطلاح فقهاء الشريعة الإسلامية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وبهذا المعنى تكون الوصية شرعا جارية من الأموال والمنافع والديون وقد عرفها قانون الوصية بأنها.

تصرف فى التركة مضاف لما بعد الموت.

وبهذا فإن الإيصاء ببعض أجزاء الجسم كما جاء فى السؤال لا يدخل فى نطاق الوصية بمعناها الاصطلاحى الشرعى، لأن جسم الإنسان ليس تركة ولكنه يدخل فى المعنى اللغوى للفظ الوصية، إذ هذا للفظ يطلق بمعنى العهد إلى الغير فى القيام بفعل شىء حال حياة الموصى أو بعد وفاته.

كما أن التبرع بجزء من الجسم حال الحياة هل يجوز شرعا باعتبار أن الإنسان صاحب التصرف فى ذاته أو غير جائز باعتبار أن هذه الإرادة ليست مطلقة بدليل النهى شرعا عن قتل الإنسان نفسه.

والذى أختاره أن كل إنسان صاحب إرادة فيما يتعلق بشخصه وإن كانت إراة مقيدة بالنطاق المستفاد من قول الله تعالى فى سورة البقرة {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} البقرة ١٩٥، وقوله سبحانه فى سورة النساء {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} النساء ٢٩، يدل لذلك ما ساقه الفقهاء من نصوص فى شأن الجهاد بالنفس وتعريضها بذلك للقتل، وما أوجبه الإسلام فى شأن إنقاذ الغرقى والحرقى والهدمى مع ما قد يترتب على ذلك من هلاك المجاهد أو المنقذ، فإذا جزم طبيب مسلم ذو خبرة أو غير مسلم كما هو مذهب الإمام مالك بأن شق أى جزء من جسم الإنسان الحى بإذنه وأخذ عضو منه أو بعضه لنقله إلى جسم إنسان حى آخر لعلاجه إذا جزم أن هذا لا يضر بالمأخوذ منه أصلا إذ الضرر لايزال بالضرر ويفيد المنقول إليه جاز هذا شرعا بشرط ألا يكون الجزء المنقول على سبيل البيع أو بمقابل، لأن بيع الإنسان الحر أو بعضه باطل شرعا.

وبعد هذا فإن السؤال المطروح هل يجوز شرعا للانسان التبرع أو الإيصاء ببعض أجزاء جسمه بعد الوفاة خدمة للمرضى المحتاجين كالكلى والقرنية وغيرها أو لا يباح ذلك لا جدال فى أن الله سبحانه كرم الإنسان وفضله على كثير من خلقه، ونهى عن ابتذال ذاته ونفسه والتعدى على حرماته حيا وميتا.

وكان من مقاصد التشريع الإسلامى حفظ النفس، كما تدل على ذلك الآيتان الكريمتان المتلوتان آنفا، ويدل على تكريم الإسلام للموتى من بنى الإنسان ما شرع من التكفين والدفن وتحريم نبش القبول الا لضرورة، كما يدل على هذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن كسر عظم الميت بقوله (كسر عظيم الميت ككسره حيا) .

وإذا كان الإسلام قد كرم الإنسان حيا وميتا فهل يجوز شق جسده بعد الوفاة ومتى.

حين نرجع إلى كتب الفقه الإسلامى التى بأيدينا نرى أن الفقهاء قد تحدثوا فى باب الجنائز عن شق بطن من ماتت حاملا وجنينها حى وما إذا مات الجنين فى بطن أمه، وفى هذا يقول فقهاء المذهب الحنفى حامل ماتت وولدها حى يضطرب، شق بطنها من الجانب الأيسر ويخرج ولدها، ولو بالعكس بأن مات الولد فى بطن أمه وهى حية قطع وأخرج، وذلك لأنه متى بانت علامة غالبة على حياة الجنين فى بطن الأم المتوفاة كان فى شق بطنها وإخراجه صيانة لحرمة الحى وحياته، وهذا أولى من صيانة حرمة الميت، ولأن الولد إذا مات فى بطن أمه الحية وخيف على حياتها من بقائه ميتا فى بطنها ولم يمكن إخراجه دوت تقطيع كان للقابلة إدخال يدها بآلة تقطعه بها وتخرجه حفظا لحياة الأم، وفى شأن شق البطن لإخراج ما ابتلعه الميت من مال قالوا إنه إذا ابتلع الإنسان مالا مملوكا له ثم مات فلا يشق بطنه لاستخراجه لن حرمة الآدمى وتكريمه أعلى من حرمة المال، فلا تبطل الحرمة الأعلى للوصول إلى الأدنى، أما إذا كان المال الذى ابتلعه لغيره فإن كان فى تركته ما يفى بقيمته أو ورقع فى جوفه بدون فعله فلا يشق بطنه، لأن فى تركته وفاء به ولأنه إذا وقع فى جوفه بغير فعله لا يكون متعديا، أما إذا ابتلعه قصدا فإنه يشق بطنه لاستخراجه لأن حق الآدمى صاحب المال مقدم فى هذه الحال على حق الله تعالى.

سيما وهذا الإنسان صار متعديا ظالما بابتلاعه مال غيره فزالت حرمته بهذا التعدى.

وفى فقه الشافعية أنه إن ماتت امرأة وفى جوفها جنين حى شق بطنها لأنه استبقاء حى بإتلاف جزء من الميت، فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت، وهذا إذا رجى حياة الجنين بعد إخراجه، أما إذا لم ترج حياته ففى قول لاتشق بطنها ولا تدفه حتى يموت، وفى قول تشق ويخرج.

وعن ابتلاع الميت المال قالوا وإن بلغ الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة، وإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان أحدهما يشق لأنها صارت للورثة، فهى كجوهرة الأجنبى، والثانى لا يجب لأنه استهلكها فى حياته فلم يتعلق بها حق الورثة.

وفى فقه الماليكة أنه يشق بطن الميت لاستخراج المال الذى ابتلعه حيا سواء كان المال له أو لغير، ولا يشق لإخراج جنين وإن كانت حياته مرجوة.

ويقول فقه الحنابلة إن المرأة إذا ماتت وفى بطنها ولد يتحرك فلا يشق بطنها، ويخرجه القوابل من المحل المعتاد.

وإن كان الميت قد بلع مالا حال حياته فإن كان مملوكا له لم يشق لأنه استهلكه فى حياته إذا كان يسيرا، وإن كثرت قيمته شق بطنه واستخرج المال حفظا له من الضياع ولنفع الورثة الذين تعلق بهم حقهم بمرضه، وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذن مالكه فهو كحكم ماله، لأن صاحبه أذن فى إتلافه، وإن بلعه غصبا ففيه وجهان أحدهما لا يشق بطنه ويغرم من تركته، والثانى يشق إن كان كثيرا لأنه فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم.

وفى فقه الزيدية أن المرأة إذا ماتت وفى بطنها ولد حى شق بطنها واستخرج الولد لقوله عز وجل {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} المائدة ٣٢، وذلك بشرائط أن يكون الولد قد بلغ وقتا ومدة يعيش إذا خرج حيا، وأن يكون الشاق بصيرا بإخراجه وأن يكون هناك من يكلفه ويقوم به إذا خرج حيا.

وروى صاحب الروض النضير عن الحسن بن زياد قال كنت عند أبى حنيفة فجاءه رجلان على حمارين فسلما عليه ثم مضيا فقال لى أبو حنيفة أتدرى من هذا.

يعنى أحدهما فقلت لا فقال هذا ماتت أمه وهى حامل به فجاؤوا فسألونى عن امرأة ماتت وفى بطنها ولد حى فقلت الحقوا لساعة فشقوا بطنها وأخرجوا الولد.

قال فهذا هو. وينص فقه الشيعة الامامية على أنه إذا مات ولد الحامل قطع وأخرج، ولو ماتت هى دونه يشق جوفها من الجانب الأيسر وأخرج، وفى رواية يخاط بطنها.

وخلاصة ما تقدم.

أن فقه مذهبى الإمامين أبى حنيفة والشافعى يجيزان شق بطن الميت سواء لاستخراج جنين حى أو لاستخراج مال، وأن فقه مذهبى مالك وأحمد بن حنبل الشق فى المال دون الجنين.

والذى أختاره فى هذا الموضع هو ما ذهب إليه فقهاء الحنفية والشافعية من جواز شق بطن الميت لمصلحة راجحة، سواء كانت لاستخراج جنين حى أو مال للميت أو لغيره، إذا كان ذا قيمة معتد بها عرفا ينتفع بها الورثة أو تقضى به ديونه، وأما الحديث الشريف الذى رواه البيهقى فى السنن الكبرى كما ورى فى سسنن أبى دواود وسنن ابن ماجه عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (كسر عظم الميت ككسره حيا) فالظاهر أن معناه أن للميت حرمة وكرامة كحرمة الحى، فلا يعتدى على جسمه بكسر عظم أو غير هذا مما فيه ابتذال له لغير ضرورة أو مصلحة راجحة.

وهذا المعنى ظاهر ما ذكره المحدثون فى بيان سبب الحديث من أن الحفار الذى كان يحفر القبر أراد كسر عظم إنسان دون أن تكون هناك مصلحة فى ذلك.

(البيان والتعريف فى أسباب ورود الحديث الشريف ج - ٣ ص ٦٤) .

وبهذا المفهوم يتفق الحديث مع مقاصد الإسلام المبينة على رعاية المصالح الراجحة، وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة تفويتها أشد، وفى استدلال الفقه الزيدى بالآية الكريمة (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) .

إشارة إلى رجحان العمل بهذه الرخصة التى ارتآها فقهاء مذاهب الحنفية والزيدية والشافعية والشيعة الامامية كما تقدم فى النقل عنهم.

وإذ قد انتهينا إلى اختيار جواز شق بطن الميت لاستخراج ما ابتلعه من مال أو لاستخراج جنين حى ترجى حياته.

فهل يجوز هذا شرعا لأخذ جزء من جسم الميت وإضافته إلى جسم الإنسان الحى على سبيل العلاج والجواء أو لا يحل هذا.

أو بعبارة أخرى هل يحل شرعا نقل جزء من جسم إنسان ميت إلى جسم إنسان حى بقصد علاج هذا الخير أو لا يحل.

وتقدمة للإجابة على هذا التساؤل يتعين التعرف على حكم الإسلام على الإنسان بعد الموت، هل جسده ميتة نجس كسائر الميتات، وهل ما ينفصل منه حال حياته يصير ميتة نجسا كذلك يقول الإمام النووى الشافعى فى كتابه المجموع شرح المهذب فى بيان الجلود النجسة ان الصحيح فى المذهب أن الآدمى لا ينجس بالموت لكن لا يجوز استعمال جلده ولا شىء من أجزائه بعد الموت لحرمته وكرامته، وأن قولا ضعيفا فى المذهب قد قال بنجاسة الآدمى بالموت.

وفى الفقه الحنفى ان الآدمى ينجس بالموت ثم اختلف فقهاء المذهب هل هى نجاسة خبث باعتباره حيوانا دمويا فيتنجس الموت كسائر الحيوانات أو هى نجاسة حدث يطهر بالغسل كالجنب والحائض إعمالا لحديث أبى هريرة رضى الله عنه كما جاء فى فتح القدير للكمال بن الهمام (سبحان الله.

المؤمن لا ينجس حياو لا ميتا) وحديث ابن عباس رضى الله عنهما قال (لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا) ، أخرجه الحاكم والدار قطنى مرفوعا كل بسنده.

والأظهر فى الفقه المالكى أن الآدمى الميت ولو كافرا طاهر كما جاء فى الشرح الكبيرة وحاشية الدسوقى فى بيان الأعيان الطاهرة والنجسة، وأن ما انفصل منه حيا أو ميتا طاهر كذلك.

والصحيح عند الحنابلة كما جاء فى المغنى لابن قدامة فى بيان ما ينجس به الماء أن الآدمى طاهر حيا وميتا ومقابل الصحيح أنه ينجس بالموت ويطهر بالغسل.

ويرى فقه الزيدية أن جسد الآدمى المسلم طاهر حيا أو ميتا، وأن ما يلحقه هو الحديث الأكبر أو الأصغر، ويقول ابن حزم فى كتابه المحلى إن كل ما قطع من المؤمن حيا أو ميتا طاهر.

ومن هذا العرض الوجيز نرى أن كلمة الفقه الشافعى والمالكى والحنبلى والزيدى والظاهرى متفقة على أن الصحيح أن جسد الإنسان المسلم طاهر حيا أو ميتا، وإذا أخذنا من الفقه الحنفى القول بأن النجاسة بعد الموت إنما هى نجاسة حدث لا خبث ويطهر بالغسل كالجنب والحائض.

فإن رأى هذه المذاهب يكاد يتفق على طهارة جسد المؤمن بعد الموت، وعلى طهارة ما انفصل منه حال الحياة كذلك.

ثم ننتقل بعد هذا للبحث فى أقوال الفقهاء عما إذا كان يحل قطع جزء من جسم إنسان حى أو ميت ونقله إلى جسم إنسان حى لعلاجه أو بديلا لجزء تالف فى جسد هذا الأخير أو لا يحل ذلك يقول الفقه المالكى كما جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى - إذا سقطت السن جاز ردها وربطها بشريط من ذهب أو من فضة وإنما جاز ردها لأن يمتة الآدمى طاهرة، وكذا يجوز أن يرد بدلها سنا من حيوان مذكى وأما من ميتة فقولان الجواز والمنع، وعلى الثانى فيجب قلعها فى كل صلاة ما لم يتعذر عليه قلعها وإلا فلا.

وفى الفقه الحنفى نقل العلامة ابن عابدين فى حاشيته رد المحتار على الدر المختار فى الجزء الأول فى بيان حكم الوشم عن عزانة الفتاوى فى مفسدات الصلاة كسر عظمهن فوصل بعظم كلب ولا ينزع إلا بضرر جازت الصلاة.

وقد بدائع الصنائع للكاسانى فى أواخر كتاب الاستحسان ولو سقط سنه يكره أن يأخذ سن ميت فيشدها مكانها بالإجماع، وكذا يكره أن يعيد تلك السن الساقطة مكانها عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله، ولكن يأخذ سن شاة ذكية فيشدها مكانها وقال أبو يوسف رحمه الله لا بأس بسنه ويكره سن غيره، ونقل صاحب البحر الرائق فى كتاب الحظر والإباحة عن الذخيرة رجل سقط سنه فأخذ سن الكلب فوضعه فى موضع سنه فثبتت لا يجوز ولا يقطع لو أعاد سنه ثانيا وثبت قال ينظر إن كان يمكن قلع سن الكلب بغير ضرر يقلع.

وإن كان لا يمكن إلا بضرر لا يقلع. وفى الفقه الحنبلى قال ابن قدامة فى المغنى فى الجنائز وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات لم ينزع إن كان طاهرا وإن كان نجسا فأمكن إزالته من غير مثله أزيل لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من غير مضرة.

وفى الفقه الشافعى كما جاء فى المجموع للنووى فى باب طهارة البدن إذا انكسر عظمه فينبغى أن يجبره بعظم طاهر.

قال أصحابنا ولا يجوز أن يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه، فإن جبره بنجس نظر إن كان محتاجا إلى الجبر ولم يجد طاهرا يقوم قمامه فهو معذور.

وان لم يحتج إليه أو وجد طاهرا يقوم مقامه أثم ووجب نزعه إن لم يخف منه تلف نفسه ولا تلف عضو ولم يوجد أحد الأعذار المذكور فى التيمم، فان لم يفعل أجبره السلطان ولا ستصح صلاته معه ولا يعذر بالألم إذا لم يخف منه وسواء اكتسى العظم لحما أم لا هذا هو المذهب، وهناك قول أنه إذا اكتسى العظم لحما لا ينزع وإن لم يخف الهلاك.

حكاه الرافعى ومال إليه الحرمين والغزالى وهو مذهب أبى حنيفة ومالك.

وإن خاف من النزع هلاك النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو لم يجب النزع على الصحيح من الوجهين ثم قال فى مداواة الجرحى بدواء نجس وخياطته بخيط نجس كالوصل بعظم نجس ولو انقلعت سنه فردها موضعها.

قال اصحابنا العراقيون لا يجوز لأنها نجسة وهذا بناء على طريقتهم - ان عضو الآدمى المنفصل فى حياته نجس وهو المنصوص عليه فى الم ولكن المذهب طهارته وهو الأصح عند الخراسانيين، فلو تحركت سنه فله أن يربطها بفضة وذهب وهى طاهرة بلا خلاف.

وفى استبدال جزء من جسم الإنسان بالذهب ورد حديث عرفجة بن أسيد الذى أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من فضة فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفسا من ذهب، وقد أخذ بهذا الحديث فقهاء الحنفية فى باب الحظر والإباحة وفقهاء الحنابلة كما نقله ابن قدامة فى غير موضع من كتابه المغنى.

وفقهاء الشافعية. فقد أورده النووى فى باب الآنية وغيره، ونص الشافعية على أنه يحل لمن ذهبت سنه أو أنملته أن يتخذ بديلا لها من الذهب إمضاء لحديث عرفجة، سواء أمكنه اتخاذ ذلك من فضة أم لا واختلفت كلمتهم فيمن ذهبت أصبعه أو كفه أو قدمه هل له أن يتخذها من فضة أو من ذهب بين محرم ومبيح.

وفى جواز أكل لحم الآدمى عند الضرورة قال فقهاء الحنفية - على ما جاء فى الدر المختار للحصكفى وحاشية رد المحتار لابن عابدين فى الجزء الخامس - إن لحم الإنسان لايباح فى حال الاضطرار ولو كان ميتا لكرامته المقررة بقول الله تعالى {ولقد كرمنا بنى آدم} الإسراء ٧٠، وكذلك لا يجوز للمضطر قتل إنسان حى وأكله ولو كان مباح الدم كالحربى والمرتد والزانى المحصن لأن تكريم الله لبنى آدم متعلق بالانسانية ذاتها فتشمل معصوم الدم وغيره.

وبهذا أيضا يقول الظاهرية بتعليل آخر غير ما قال به الحنفية.

ويقول الفقه المالكى إنه لا يجوز أن يأكل المضطر لحم آدمى وهذا أمر تعبدى، وصحح بعض المالكية أنه يجوز للمضطر أكل الآدمى إذا كان ميتا بناء على أن العلة فى تحريمة ليست تعبدية وإنما لشرفه وهذا لا يمنع الاضطرار على ما أشار إليه فى الشرح الصغير بحاشية الصاوى فى الجزء الأول.

وأجاز الفقه الشافعى والزيدى أن يأكل المضطر لحم إنسان ميت بشروط منها ألا يجد غيره كما أجاز للانسان أن يقتطع جزء نفسه كلحم من فخذه ليأكله استبقاء للكل بزوال البعض كقطع العضو المتآكل الذى يخشى من باقئه على بقية البدن، وهذا بشرط ألا يجد محرما آخر كالميتة مثلا، وأن يكون الضرر الناشىء من قطع الجزء أقل من الضرر الناشىء من تركه الأكل.

فإن كان مثله أو أكثر لم يجز قطع الجزء، ولا يجوز للمضطر قطع جزء من آدمى آخر معصوم الدم، كمما لايجوز للآخر أن يقطع عضوا من جسده ليقدمه للمضطر لأكله.

وفى الفقه الحنبلى إنه لا يباح للمضطر قتل إنسان معصوم الدم ليأكله فى حال الاضطرار ولا إتلاف عضو منه مسلما كان أو غير مسلم، أما الإنسان الميت ففى إباحة الأكل منه فى حال الضرورة قولان أحدهما لا يباح والآخر يباح الأكل منه لأن حرمة الحى أعظم من حرمة الميت، قال ابن قدامة فى المغنى إن هذا القول هو الأولى.

ونخلص مما سلف إلى أن فقهاء الماليكة والشافعية والحنابلة قد صرحوا بأنه إذا كسر عظم الإنسان فينبغى جبره بعظم طاهر - على حد تعبير الشيرازى الشافعى فى المهذب، وأنه لا يجوز جبره بعظم نجس إلا عند الضرورة، كما إذا لم يوجد سواه، وأنه يجوز رد السن الساقطة إلى مكانها وربطها بالفضلة أو بالذهب، كما يجوز استبدالها بسن حيوان مذكى.

ونص الفقه الحنفى على أنه لو وصل عظم إنسان بعظم كلب ولا ينزع إلا بضرر جازت الصلاة معه وهذا النوع وأمثاله من فروع الحنفية يتخرج عليه.

أنه إذا قضت الضرورة بوصل العظم المكسور بعظم نجس فلا حرج فى ذلك ولا إثم، بدليل إجازة الصلاة ما دام يتعذر نزعه إلا بضرر.

كما نخلص إلى أن جسم الإنسان الميت طاهر وما انفصل منه حال حياته كذلك طاهر، وإلى جواز شق بطن الآدمى الميت لاستخراج جنين حى ترجى حياته أو مال ابتلعه قبل وفاته على الاختلاف بين فقهاء المذاهب كما تقدم بيانه، وإلى أنه يجوز اضطرار أكل لحم إنسان ميت فى قول فقهاء الشافعية والزيدية وقول فى مذهب الميالكية ومذهب الحنابلة، ويجوز أيضا عند الشافعية والزيدية أن يقطع الإنسان من جسمه فلذة ليأكلها حال الاضطرار بالشروط السابق الإشارة إليها، ويجوز وصل عظم الإنسان المكسور بعظم طاهر على نحو ما تقدم أيضا فى سنده الفقهى.

وتخريجا على ذلك وبناء عليه يجوز شق بطن الإنسان الميت وأخذ عضو منه أو جزء من عضو لنقله إلى جسم إنسان حى آخر يغلب على ظن الطبيب استفادة هذا الأخير بالجزء المنقول إليه، رعاية للمصلحة الراجحة التى ارتآها الفقهاء القائلون بشق بطن التى ماتت حاملا والجنين يتحرك فى أحشائها وترجى حياته بعد إخراجه، وإعمالا لقاعدة الضرورات تبيج صفحة رقم ٣٧١٠ المحضورات، وأن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، التى سندها الكتاب الكريم والسنة الشريفة، فإن من تطبيقاتها كما تقدم جواز الأكل من لإنسان ميت عند الضرورة صونا لحياة الحى من الموت جوعا، المقدمة على صون كرامة الميت إعمالا لقاعدتى اختيار أهون الشرين وإذا تعارضت مفسدتان روعى أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما، وإذا جاز الأكل من جسم الآدمى الميت ضرورة جاز أخذ بعضه نقلا لإنسان آخر حى صونا لحياته متى رجحت فائدته وحاجته للجزء المنقول إليه.

هذا عن الإنسان الميت، أما عن الإنسان الحى واقتطاع جزء منه فقد تقدمت الإشارة إلى أن فقه كل من الشافعية والزيدية يجيز أن يقطع الإنسان الحى جزء نفسه ليأكله عند الضرورة بشرط ألا يجد مباحا ولا محرما آخر يأكله ويدفع به مخمصته، وأن يكون الضرر الناشىء من قطع جزئه أقل من الضرر الناشىء من تركه الأكل.

ومتى كان الحكم هكذا فإنه يجوز تخريجا عليه القول بجواز تبرع إنسان حى يجزء من جسده لا يترتب على اقتطاعه ضرر به متى كان مفيدا لمن ينقل إليه فى غالب ظن الطبيب.

لأن للمتبرع - كما تقدم - نوع ولاية على ذاته فى نطاق الآيتين الكريمتين {ولا تقتلوا أنفسكم} النساء ٢٩، و {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} البقرة ١٩٥، ولا يباح أى جزء.

بل الجزء أو العضو الذى لا يؤدى قطعه من المتبرع إلى عجزه إو إلى تشويهه.

وبهذا المعيار يكون حكم نقل الدم من إنسان لآخر.

وإذ قد انتهى الرأى إلى إجازة شق جسم الميت أو تشريحه لأخذ عضو أو جزء منه وجواز نقله إلى جسم إنسان حى يستفيد به، وإلى جواز تبرع إنسان حى بأخذ عضو منه أو جزء عضو وجواز نقل هذا إلى إنسان آخر حى بالشروط سالفة الإشارة.

فإنه يمكن إيجاز الإجابة على الأسئلة المرددة فى هذا الموضع على الموجه التالى إنه يجوز نقل عضو أو جزء عضو من إنسان حى متبرع لوضعه فى جسم إنسان حى بالشروط الموضحة آنفا.

ومن هذا الباب أيضا نقل الدم من إنسان لآخر بذات الشروط.

ويحرم اقتضاء مقابل للعضو المنقول أو جزئه، كما يحرم اقتضاء مقابل للدم لأن ربيع الآدمى الحر باطل شرعا لكرامته بنص القرآن الكريم وكذلك بيع جزئه ويجوز كذلك أخذ جزء من إنسان ميت ونقله إلى إنسان حى، ما دام قد غلب على ظن الطبيب استفادة هذا الأخير بهذا النقل باعتباره علاجا ومداواة، وذلك بناء على ما تقدم من أسس فقهية ويجوز قطع العضو أو قطع جزئه من الميت إذا أوصى حى بذلك قبل وفاته أو يموافقة عصبته بترتيب الميراث إذا كانت شخصية المتوفى المأخوذ منه معروفة وأسرته وأهله معروفين، أما إذا جهلت شخصيته أوعرفت وجهل أهله فإنه يجوز أخذ جزء من جسده نقلا لإنسان حى آخر يستفيد به فى علاجه أو تركه لتعليم طلاب كليات الطب، لأن فى كل ذلك مصلحة راجحة تعلو على الحفاظ على حرمة الميت، وذلك بإذن من النيابة العامة التى تتحقق من وجود وصية أو إذن من صاحب الحق من الورثة أو إذنها هى فى حالة جهالة شخص المتوفى أو جهالة أسرته.

ولا يقطع عضو من ميت إلا إذا تحققت وفاته.

والموت - كما جرى بيانه فى كتب الفقه - هو زوال الحياة.

وعلامته إشخاص البصر وأن تسترخى القدمان وينعوج الأنف وينخسف الصدغان وتمتد جلدة الوجه لتخلو من الانكماش.

وفى نطاق هذا يجوز اعتبار الإنسان متى زالت مظاهر الحياة منه، وبدت هذه العلاماة الجسدية، وليس ما يمنع من استعمال أدوات طبية للتحقق من موت الجهاز العصبى، لكن ليست هذا وحده آية الموت بمعنى زوال الحياة بل إن استمرار التنفس وعمل القلب والنبض وكل أولئك دليل على الحياة، وإن دلت الأجهزة الطبية على فقدان الجهاز العصبى لخواصه الوظيفية، فإن الإنسان لا يعتبر ميتا بتوقف الحياة فى بعض أجزائه، بل يعتبر كذلك شرعا وتترتب آثار الوفاة من تحقق موته كلية فلا يبقى فيه حياة ما، لأن الموت زوال الحياة، ويمتنع تعذيب المريض المحتضر باستعمال أية أدوات أو أدوية متى بان للطبيب أن هذا كله لا جدوى منه، وأن الحياة فى البدن فى سبيل التوقف، وعلى هذا فلا إثم إذا أوقفت الأجهزة التى تساعد على التنفس وعلى النبض متى بان للمختص القائم بالعلاج أن حالة المحتضر ذاهبة به إلى الموت.

ولعله من التتمة بيان حكم ما قد يثار عن المفاضلة بين عدد من المرضى الذين تساوت حالتهم المرضية فى ضرورة نقل عضو أو نقل دم أو إعطائه دواء، حالة أن الموجود هو عضو واحد أو كمية من الدم أو الدواء لا تكفى لإنقاذ الجميع، فهل تجوز المفاضلة بين المرضى فى هذه الحال المتعلقة بأمور الحياة والموت أم ماذا لامراء فى أن الآجال موقوتة عند الله سبحانه وتعالى، وأمر غيبى لا يصل إليه علم الإنسان.

وأن المرض ليس دائما علامة على قرب الأجل أو على حتمية الموت عقبه، وغلبة الظن أساس شرعى تقوم عليه بعض الأحكام فإذا غلب على ظن الطبيب المختص بحكم التجربة والممارسة، وبشرط إجادته وحذقه مهنة الطب أن أحد هؤلاء المرضى يفيده هذه العضو أو تلك الكمية من الدم أو الدواء كان إيثاره بذلك، باعتبار أن العلامات والقرائن قد أكدت انتفاعه بهذا العضو أو بالدم إذا نقل إليه، أما إذا لم يغلب على ظن الطبيب ذلك بقرائن وعلامات مكتسبة من الخبرة والتجربة، فإن الإسلام قد أرشد إلى اتخاذ القرعة طريقا لاستبانة المستحق عند التساوى فى سبب الاستحقاق وانعدام أوجه المفاضلة الأخرى، وهذه القرعة قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمور كثيرة، منها الإقراع لمعرفة من ترافقه من نسائه أمهات المؤمنين فى سفره.

والله سبحانه وتعالى أعلم

<<  <  ج: ص:  >  >>