للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[احداث الزاوية الحمراء]

المفتي

جاد الحق على جاد الحق.

شعبان ١٤٠١ هجرية - ٢٥ يونية ١٩٨١ م

المبادئ

١ - لا تفرقة فى الإسلام بسبب الدين أو الجنس أو اللون.

٢ - دماء غير المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام كحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.

٣ - الحوادث الفردية بين مختلفى الديانات يجب وأدها فى الحال قبل اتساع نطاقها

السؤال

عن أحداث الزاوية الحمراء فنشر هذا البيان

الجواب

بمناسبة حوادث الزاوية الحمراء يوم الأربعاء ١٧ يونية ١٩٨١ أصدرت دار الإفتاء البيان التالى وقد نشر بجريدة الأهرام يوم ٢٠/٦/١٩٨٢ م.

لمصلحة من هذا الذى حدث قرأت بأسف شديد الباين الذى أذاعته وزارة الداخلية أمس عن وقوع شجار بين اثنين من المواطنين أحدهما مسلم والآخر قطبى امتدت آثاره إلى قتل وجراح لغيرهما ومآسى أخرى.

فتذكرت قول الله سبحانه فى القرآن الكريم {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات ١٣، مساواة تامة فى الإنسانية تتبعها المساواة العادلة فى الحقوق والواجبات، ويؤكد هذا ويشرحة قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب وليس لعربى على أعجمى ولا لأعجمى على عربى ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلى بالتقوى) هذه دعوة الإسلام إلى المساواة تذكيرا لبنى الإنسان أن أصلهم واحد لا تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو اللن، بل لقد أوصى الإسلام بغير المسلمين، وأوضح أن لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين من واجبات، تسرى على هؤلاء وأولئك قوانين الدولة، إلا أن غير المسلمين تحترم عقائدهم، وما يدينون به.

فدماء غير المسلمين وأموالهم وأعراضهم حرام كحرمة دماء وأموال وأعراض المسلمين، حكم بهذا ووصى به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين قال (من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار) .

وقال (من آذى ذميا فقد آذانى) وقال (من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق كاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة) وبهذا العهد كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، إبان رسول الله خصمك) وقال رضى الله عنه فى عهده لأهل بيت المقدس عقب فتح المسلمين له (هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أمانا لأنفسهم وأمالهم وكنائسهم) إن الإسلام حين ذكر أخبار الأنبياء السابقين احترمهم جميعا، دفع عنهم الإثم ونفى عنهم العدوان فى سورة الأنبياء، خاطبنا، بل خاطب الإنسانية على امتدادها فقال {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} الأنبياء ٩٢، إن الإسلام دين السلام مع الله، ومع الناس، ومع النفس، هكذا فصل القرآن، وبهذا أمر رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، وما كان الإسلام باغيا ولا متعديا، إنه يدعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، وبالرسل وأنبياء الله السابقين عليه قال تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} البقرة ٢٨٥، وإذا كان لأهل كل دين عقائدهم وأساليبهم الإيمانية فى ظل من حرية العقيدة والعبادة فإن الإسلام قد سبق كل النظم لأنه دين الله، فقرر أن {لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى} البقرة ٢٥٦، إن أهل مصر اشتهروا فى التاريخ - كل التاريخ - بالأخوة والسماح، ولهذا كانوا غوثا للمظلوم، وموئلا للمطارد يجد عندهم الأمن والأمان.

هذه مريم وابنها عيسى عليهما السلام يفدان إلى مصر تضمهما، وتحميهما، وقد كان أمامهما - حين طوردا - جهات ونواح شتى، ولكن الله سحبانه قد اختار لهذه الأسرة المقدسة هجرتها إلى مصر، ووجدت من المصريين كل رعاية وعون، بل وحماية وتقديسا، وها هى مصر فى ظل الإسلام موئل سلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طاردهم الأمويون.

أيها المصريون - مسلمين وأقباط - هذا شرف لبلادكم العزيزة الكرمية، هذا رضوان من الله عليها وتكريم لها فصونوا هذه البلاد واحفظوها من الفرقة والاختلاف وحافظوا عليها كما كانت دائما واحة الأمن والأمان.

فهكذا كانت مصر وستظل، آمنة بأهلها ويتخطف الناس من حولها، لقد عاش الإسلام والمسيحية هنا هذه القرون، يرتوى المسلمون والمسيحيون من ماء النيل، ويفلحون أرضها، يبذرون الحب ويعتمدون على الرب ويعيشون إخوة متجاورين متحابين.

ليتذكر المواطنون أن مصر قد تحررت من الاستعمار بوحدتها، فلنعد إلى التاريخ أيضا ولنطالع تلك الصحائف الغنية صحائف الرجال، الذين تغاضوا عن كل أسباب الفرقة والتباعد فى ثورة الشعب فى سنة ١٩١٩، فدخل القص الزهر خطيبا ودخل عالم الأزهر الكنيسة داعيا للوطن والوطنية، والتقت القلوب قبل الكلمات، وكان رصاص العدو لا يفرق بين المسلم والمسيحى، ولقد استمر جهاد المواطنين، دون تراخ أو تباعد عن ساحة الاستشهاد حتى تحررت مصر واستردت ذاتها.

ولما نكبت فيما كسبت، وولى أمرها الرشيد من أبنائها، احتسب نفسه وجهده لخلاصها واسترداد كرامتها، فماذا كان كان هذا الإخاء الوطنى فى حرب رمضان ١٩٣٩ - أكتوبر ١٩٧٣ أن وقف المصريون، بل الوطن العربى - مسلمين ومسيحيين - يقاتلون، لا يفرقهم الدين، فقد ارتوت أرض المعارك بدماء المسلمين والمسيحيين على السواء، هذا الإخاء فى الوطن، ليس وصية للمسلمين فحسب، بل هو كذلك صلب المسيحية، التى ترفع دائما نداء وشعار المحبة والسلام، والسلام الذى ينادى به الإسلام، ويتمثل فى دعاء الرسول محمخد صلى الله عليه وسلم (اللهم أنت السلام، ومنك السلام وإليك السلام، فحينا ربنا بالسلام) ويقرؤه إخواننا الأقباط فى الأنجيل إذ يقول (المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة) إن الدين بأهله، وعلى أهل الدين - أى دين - أن يحفظوا تعاليمه الحقة، فيؤدون واجباتهم، ويأخذون حقوقهم، وبالكلمة الكيبة الهادئة، وليس باستثارة الطائفية وإثارة البغضاء والشحناء التى تستتبع إرقاة الدماء، وقتل الأنفس التى حرم الله فى جميع شرائعه قتلها إلا بالحق.

إنه لا ينبغى أن يتسبب حادث فردى فى هذا الذى رواه بلاغ وزارة الداخلية الذى اهتزت له قلوب المواطنين مسلمين ومسيحيين - فلا أحد فى هذا اولطن يود أن يجرى فيه ما جرى فى غيره.

وإذا كان ما حدث قد تولاه المختصون من رجال الأمن والنيابة العامة فليترك الجميع التحقيقات تأخذ سيرها، لتكشف عن الحقيقة فى هذا الأمر، إذ أنى أستبعد أن يقدم مواطن صالح مختص لوطنه ولدينه على إثارة الفتنة وإشاعة الفرقة، وقد يكون وراء هذا دوافع ليست من أخلاق المواطنين.

إن الشياطين يئسوا من الاستجابة لهم، فيما حاولوا ويحاولون من فتن واضطراب فركبوا موجة اختلاف الدين والطائفية، لانهم يعلمون أن شعب مصر، شعب متدين، جاءوا ليلبسوا عليهم دينهم، ويدفعوهم ليخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.

أيها المواطنون - أقباطا ومسلمين - لا تدعوا لشياطين الإنس سبيلا للتفرقة بينكم تحت أى شعار، إن أعداء الوطن يتربصون به.

{والله من ورائهم محيط} البروج ٢٠، إن الله نصحنا فى القرآن الكريم بقوله سبحانه {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} الأنفال ٢٥، نعم إن الفتن يجب أن توأد فى مهدها، وألا تترك لتزداد اشتعالا بفعل أهل السوء الذين تؤرقهم وحدة هذا الوطن، فهم لا يفترون، يعيثون فى الأرض فسادا وفرقة، والله سبحانه يدعونا بهذه النصيحة إلى أن نأخذ على يد المفسدين بحزم وعزم، وهذا ما نأمل من أولى الأمر لأن معظم النار من المستصغر الشرر.

حفظ الله كنانته فى أرضه وأتم عليها نعمة الوحدة والأمن، والله متم نوره - ولو كره الحاقدون - على مصر، أمنها، وأمانها، ووحدتها.

وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وإنا لهذا النصر لمرتقبون.

دعوة قالها نبى وحكاها القرآن {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} يوسف ٩٩

<<  <  ج: ص:  >  >>