للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[التكاليف الشرعية تنظيم للحرية]

المفتي

عطية صقر.

مايو ١٩٩٧

المبادئ

القرآن والسنة

السؤال

لماذا لا يتركنا الله أحرارا نعيش فى الدنيا كما نشاء، دون أن يكلفنا بأمور تحد من حريتنا وتجعلنا لا نحس بلذة الحياة؟

الجواب

ما دام صاحب هذا السؤال مؤمنا بالله، وليس من الكفار الذين لا يؤمنون بوجود إله ولا يدينون بدين، فإننا نقول له إضافة لما سبق فى صفحة ٧١ من المجلد السادس من هذه الفتاوى: إن الله سبحانه عندما خلق آدم أب البشر ليكون خليفة فى الأرض خلقه من الأرض نفسها لتسرى عليه طبيعتها وليتكيف معها. والأرض فيها متقابلات ومتناقضات، لما تحويه من عناصر مختلفة لكل منها خصائصها الذاتية التى قد تتغير عند اختلاط بعضها ببعض. بل قد يكون العنصر وحده فيه خير كبير، لكن مع اختلاطه بغيره قد يكون فيه شر مستطير.

وآدم المخلوق من عناصر مختلفة، نفخ الله فيه من روحه وميزه بالعقل الذى يسيطر على شهواته وميوله، وأمده بالوحى ليشد أزر عقله الذى قد يضعف أمام طغيان الشهوات، وقبل أن يسلمه زمام الأرض التى يعيش فيها أجرى عليه تجربة-مع تجاوز فى هذا التعبير- ليؤكد للملائكة أنه هو المخلوق الذى يطيع ويعصى ويؤمن ويكفر، ويتفاعل مع الأرض بكل ما فيها من متقابلات، وليس كالملائكة المخلوقين من نور، كلهم خير وطاعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فأسكنه هو وزوجته الجنة وأباح له التمتع بكل ما فيها من طيبات ما عدا شيئا واحدا هو شجرة معينة، فشاء الله بحكم طبيعة آدم أن يخالف أمر ربه، فأكل من الشجرة فظهرت صحة التجربة، وأهبطه الله إلى الأرض ليباشر مهمته التى خُلق من أجلها.

ولم يتركه الله وحده فى هذا العالم الجديد المخالف للعالم الذى كان يعيش فيه من قبل، فأمده بالوحى ليهتدى به، وأكد له أنه سينجح فى مهمته إذا اتبع هو وذريته هذا الوحى، وبالعكس إذا أعرض عنه سيعانى فى حياته معاناة شديدة وسيحاسبه على كل ما قدم من عمل عند عودته مرة ثانية إليه سبحانه، إلى العالم الباقى الخالد، بعد هذا العالم المؤقت الذى عاش فيه قليلا، قال تعالى {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى} طه:١٢٣، ١٢٤، وقال {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} الأعراف: ٢٤، ٢٥.

فالله سبحانه لم يترك لآدم الحرية ليفعل ما يشاء، بل قيَّدها ليميزه عن كل المخلوقات التى تتصرف تلقائيا بحكم تكوينها، وعن كل الحيوانات التى تشبه آدم فى كثير من خصائصها، وبيَّن له أن الذى يتبع هدى الله سيعيش سعيدا ويبعث سعيدا، وما دام هو مؤمنا بوجود الله وقدرته وفضله وبالمسئولية أمامه سيحاول أن يجاهد لينفذ أوامر الله.

معتقدا أنها كلها لمصلحته، وأن الله حكيم لا تصدر أفعاله إلا عن حكمة، ولا حاجة به أن يسأل ربه حين يكلَّفه بشىء لماذا كلفتنى به، فالعبد المطيع يسارع لتنفيذ أوامر سيده دون سؤال أو اعتراض.

ومع أن المفروض فى العبد ألا يسأل عن حكمة التكاليف التى كلِّف بها إلا أن الله سبحانه يعلم - بحكم طبيعة تكوين العبد، وبحكم تسلط الشيطان عليه ليغويه - أنه إذا عرف الحكمة من التشريع نشط للطاعة، أتبع فى كثير من الأحيان التكليف ببيان حكمته، وفى بعض الأحيان لا يذكرها امتحانا لقوة إيمانه وثقته بربه وحكمته فهو سبحانه لا يأمر إلا بالخير وإن جهل العبد حكمته، ولا ينهى إلا عن الشر وإن لم يدرك العبد سره، كما قال سبحانه {كُتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} البقرة: ٢١٦.

إن حكمة الله فى التشريع إذا كانت مذكورة فللعقل أن يشرحها ويوضحها، وإن لم تكن مذكورة فلا مانع أن يستنبط العقل هذه الحكمة، والعقول فى كلا الأمرين تتفاوت، فلا ينبغى أن يكون هناك تعصب، ولا أن يتخذ ذلك دس علة للقياس فى غير المنصوص بوجه خاص.

هذا، والحكمة العامة للتشريع وهى كما ذكرنا من قبل سعادة الإنسان دنيا وأخرى تتلخص فى نقطتين أساسيتين، هما ربط المخلوق بالخالق، وإعداده لحمل الأمانة وتحقيق الخلافة فى الأرض ومن مظاهر النقطة الأولى الإيمان بالله واليوم الآخر والتوجه إليه بالعبادة والدعاء على ما يفيده قوله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} فقد ركز فى هذه الآية الثناء السابق عليها من أول الفاتحة والدعاء اللاحق لها فى آخرها وهو الهداية، ومن مظاهر النقطة الثانية الأخلاق الفردية والاجتماعية والتشريعات المختلفة فى المياسين الاقتصادية والثقافية والقضائية غيرها مما يضبط السلوك ويسد العلاقات ويوضح الحقوق والواجبات.

وعلى ضوء هذه الحكمة العامة يمكن توضيح الحكمة فى كل عبادة من العبادات

<<  <  ج: ص:  >  >>