للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

[م-٦٥٩] إذا علم ذلك نأتي إلى تحرير الأقوال بأدلتها:

اختلف العلماء في الاستنجاء من المني لاختلافهم في طهارته.

فقيل: يستنجي منه إن كان رطبًا بكل مائع مزيل (١)، ولا يكفي الاستجمار بالحجارة، وإن كان يابسًا ففيه قولان في مذهب الحنفية:

فقيل: يكفي فركه، اختاره الكرخي من الحنفية.

وقيل: لا يكفي بل لا بد من غسله، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة (٢).


(١) وإنما قلت المائع، ولم أقل الماء؛ لأن الحنفية يرون أن النجاسة تزال بكل مائع، بخلاف الحدث فيشترط الماء، قال الزيلعي في تبيين الحقائق (١/ ٧٠): «وأما الثاني: وهو ما يطهر به النجس، فبكل مائع يمكن إزالته كالخل ونحوه». اهـ
وقال الكاساني في بدائع الصنائع (١/ ٨٣): «وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة، فلا خلاف في أنه لا تحصل به الطهارة الحكمية: وهي زوال الحدث. وهل تحصل به الطهارة الحقيقية، وهي إزالة النجاسة عن الثوب والبدن، اختلف فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف تحصل. وقال محمد وزفر والشافعي: لا تحصل ... ». إلخ كلامه.
(٢) قال في بدائع الصنائع (١/ ٨٤): وإن جف -يعني: المني- فهل يطهر بالحت؟ روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر. وذكر الكرخي أنه يطهر. وجه رواية الحسن أن القياس أن لا يطهر في الثوب إلا بالغسل، وإنما عرفناه بالحديث. وأنه ورد في الثوب بالفرك، فبقي البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس.
وجه قول الكرخي: أن النص الوارد في الثوب يكون واردًا في البدن من طريق الأولى؛ لأن البدن أقل تشربًا من الثوب، والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في إزالة العين. انظر المبسوط (١/ ٨١)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٢)، شرح معاني الآثار (١/ ٥٣)، البحر الرائق (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).
وقال في الدر المختار (١/ ٣١٢): «ويطهر مني يابس بفرك إن طهر رأس حشفة كأن كان مستنجيًا بماء». اهـ
قال ابن عابدين في حاشيته شرحًا لهذا النص: «قوله: إن طهر رأس حشفة. قيل: هو مقيد أيضًا بما إذا لم يسبقه مذي، فإن سبقه فلا يطهر إلا بالغسل. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: مسألة المني مشكلة؛ لأن كل فحل يمذي ثم يمني إلا أن يقال: إنه مغلوب بالمني، مستهلك فيه، فيجعل تبعًا. وهذا ظاهر، فإنه إذا كان كل فحل كذلك، وقد طهره الشرع بالفرك يابسًا يلزم أنه اعتبر مستهلكًا للضرورة، بخلاف ما إذا بال فلم يستنج حتى أمنى لعدم الملجئ.
ثم قال: وقوله: كأن كان مستنجيًا بماء: أي بعد البول، واحترز عن الاستنجاء بالحجر؛ لأنه مقلل للنجاسة لا قالع لها». اهـ
وعليه فمذهب الحنفية يكفي فرك المني من رأس الحشفة بشرط أن يكون قد استنجى بماء، فإن كان استنجاؤه بحجر، فيجب غسل المني. والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>