للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأجاد الحافظ (١) إذ قال بعد ذكر الحديث: ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمَّنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبيِّن أن الأولى للعامل بذلك أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان فقال: باب الصلاة من الإيمان، انتهى.

(ولن يشاد الدين. . .) إلخ، قال شيخ المشايخ الدهلوي في "تراجمه" (٢): أي: أخذه بالشدة بترك الأرفق الأيسر، وكتب الشيخ الكَنكَوهي قُدِّس سرُّه في "اللامع" (٣): أي بالتزام ما هو أعلى مراتب العزيمة إلا غلبه الدين بأن لا يمكنه الجري على ما التزمه، وذلك لما في العزيمة من عسر يشق الدوام عليها مع أن مراتب العزيمة متفاوتة، ففوق كل مرتبة مزيد، وفيه دلالة على تفاوت الإيمان زيادةً ونقصانًا، فإن من تخير أعلى مراتب العزيمة كان أقواهم إيمانًا كالأنبياء، انتهى.

وبسط الكلام في هامشه على شرح قول "اللامع"، وفيه: قال الحافظ (٤): قال ابن المنيِّر: في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطِّع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته؛ كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، ويستفاد من الحديث الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية،


(١) "فتح الباري" (١/ ٩٥).
(٢) "شرح تراجم أبواب البخاري" (ص ٣٧).
(٣) "لامع الدراري" (١/ ٥٧٩).
(٤) "فتح الباري" (١/ ٩٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>