للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا أوّل باب تكلم فيه البخاري على مسألة الكلام، وهي طويلة الذيل، قد أكثر أئمة الفرق فيها القول، إلى آخر ما بسط الكلام على هذه المسألة.

وفي "تقرير المكي" (١): قوله: {لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. . .} إلخ، فثبت الكلام لله تعالى، وهو المطلوب في هذا الباب، بل أكثر هذه الأبواب في إثبات الكلام، ومقصوده من تكثير أحاديثه تكفير المعتزلة المنكرة لكلام الله تعالى بأن هذه الأحاديث لكثرتها بلغت حدّ التواتر، فمنكرها كافر، ومذهب المحدثين تكفير أهل الهوى كلهم، وإن كانوا من أهل القبلة، انتهى.

قلت: ومسألة تكفير أهل البدع من أهل القبلة وسيعة الذيل خلافية مبسوطة في محلها، فارجع إليه.

قال العلامة العيني (٢): غرض البخاري من ذكر هذه الآية بل من الباب كله بيان كلام الله القائم بذاته، ودليله أنه قال: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} ولم يقل: ماذا خلق ربكم؟ وفيه ردٌّ للمعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية والنجارية؛ لأنهم قالوا: إنه متكلم، يعني: خالق الكلام في اللوح المحفوظ، وفي هذا ثلاثة أقوال: قول أهل الحق: أن القرآن غير مخلوق، وأنه كلامه تعالى قائم بذاته، لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يشبه شيئًا من كلام المخلوقين، والقول الثاني: ما ذكرنا عن هؤلاء المذكورين، والقول الثالث: أن الواجب فيه الوقف، فلا يقال: إنه مخلوق ولا غير مخلوق، انتهى.

قوله: (يتغنى بالقرآن. . .) إلخ، كتب الشيخ في "اللامع" (٣): أورده ههنا لإثبات أن لله كلامًا هو القرآن، وأن لله أفعالًا منها الإذن، أي: الاستماع، وأن للعبد أفعالًا منها تغنيه بالقرآن وجهره به، فليس هو مجبورًا محضًا، لا يقدر على إتيان شيء من الأفعال ولو بكسب لها، انتهى.

قلت: أجاد الشيخ قُدِّس سرُّه في توجيه مطابقة الحديث بالترجمة،


(١) "لامع الدراري" (١٠/ ٣٥٤، ٣٥٥).
(٢) "عمدة القاري" (١٦/ ٦٦٩).
(٣) "لامع الدراري" (١٠/ ٣٥٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>