للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومذهب مالك وهكذا عندنا الحنفية تجب بالقسامة الدية لا القصاص، ففي "البدائع" (١): هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حكم نفس لم يعلم قاتلها فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى، وعند مالك - رحمه الله - وجوب القسامة والقصاص.

ثم ليعلم صورة القسامة مع ما فيه من خلاف الأئمة، فقال ابن قدامة (٢): إذا وجد قتيل في موضع، فادّعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة، ولم تكن بينهم عداوة ولا لوث، فهي كسائر الدعاوي، إن كانت لهم بينة حكم لهم بها، وإلا فالقول قول المنكر، وبهذا قال مالك والشافعي، فإن كان بينهم عداوة ولوث فادّعى أولياؤه على واحد، حلف الأولياء على قتاله خمسين يمينًا، واستحقوا دمه إذا كانت الدعوى عمدًا، فإن لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبُرِّئَ، هذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك والشافعي، وحكى أبو الخطاب روايةً أخرى عن أحمد أنهم يحلفون ويغرّمون الدية لقضية عمر، وهو قول أصحاب الرأي، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغرم اليهود، وأنه أدّاها من عنده، فإن لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه، فداه الإمام من بيت المال، يعني: أدّى دية لقضية عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر، فأبى الأنصار أن يحلفوا، وقالو: كيف نقبل أيمان قوم كفار، فوداه النبي - صلى الله عليه وسلم - من عنده كراهية أن يُطَلَّ دمه، انتهى.

وأما عندنا الحنفية فعلى الأصل المتفق عليه من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، ولا عبرة عندنا لحلف الأوليا، قال صاحب "الهداية" (٣): وإذا وجد القتيل في محلة، ولا يعلم من قتله، استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي، بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فإذا


(١) "بدائع الصنائع" (٦/ ٣٥٢).
(٢) "المغني" (١٢/ ١٨٩ - ٢٢١).
(٣) "الهداية" (٢/ ٤٩٧، ٤٩٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>