للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأجنبي، فليس له حكم بيع المكره، وهذا هو منشأ تفريقنا بين الأجنبي وغيره، فالإيراد الثاني من البخاري أيضًا ساقط، فتدبر.

ثم لا يخفى عليك أنهم يوردون على الإمام أبي حنيفة أنه يكثر من الاستحسان، وصار إكثاره من الاستحسان مثار طعن الذين ينتقصون قدره، وينجسون حظه من الفقه والتقى، فإنهم لم يجدوا في القياس ما يعتبر خروجًا على النصوص من كل الوجوه؛ لأنه حمل على النص، ووجدوا في الاستحسان ذلك إذا لم يقم على النص، ولقد قال صاحب "كشف الأسرار" (١) في تعليقه على باب الاستحسان الذي كتبه فخر الإسلام البزدوي ما نصه: اعلم أن بعض القادحين في المسلمين طعن على أبي حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - في تركهم القياس بالاستحسان، وقال: حجج الشرع الكتاب والسُّنَّة والإجماع والقياس، والاستحسان قسم خاص لم يعرف أحد من حملة الشرع سوى أبي حنيفة وأصحابه أنه من دلائل الشرع لم يقم عليه دليل، بل هو قول بالتشهي، فكان ترك القياس به تركًا للحجة لاتباع الهوى فكان باطلًا، وكل ذلك طعن من غير روية وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة أجلّ قدرًا وأشدّ ورعًا من أن يقول في الدين بالتشهي، أو يعمل بما استحسنه من غير دليل قام عليه شرعًا، فالشيخ - رحمه الله - عقد الباب لبيان المراد من هذا اللفظ والكشف عن حقيقته دفعًا لهذا الطعن، انتهى.

ولقد اختلف العلماء في عصر أبي حنيفة ومن بعده في الاستحسان، فمالك الذي عاصر أبا حنيفة كان يقول: الاستحسان تسعة أعشار العلم، وأما الشافعي - رحمه الله - الذي جاء من بعدهما فقد عقد فصلًا في كتاب "الأم" (٢) سمّاه: كتاب إبطال الاستحسان، وساق الأدلة لإثبات بطلانه، ولقد اختلف الفقهاء في تعريف الاستحسان الذي كان يأخذ به أبو حنيفة وأصحابه، فعرّفه بعضهم بأنه العدول عن موجب القياس إلى قياس أقوى منه، وهذا


(١) "كشف الأسرار" (٤/ ٣).
(٢) "الأم" (١٠/ ١٠٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>