للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أصلًا، فلو باع عبده في حق ذي رحم محرم ينعقد بيعه موقوفًا، - كما هو الحكم عندنا في بيع المكره - لتحقق الإكراه في الجملة، ولو باعه في حق أجنبي ينعقد بيعه لازمًا لعدم الإكراه، فلهذا قال البخاري: "وفرّقوا بين كل ذي رحم محرم وبين غيره من غير كتاب ولا سُنَّة"، قلنا: السُّنَّة موجودة وهي قوله - عليه السلام -: "الأقرب فالأقرب"، انتهى.

وفي "القسطلاني" (١): وأجاب العيني بأن الاستحسان غير خارج عن الكتاب والسُّنَّة، أما الكتاب فقوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: ١٨] وأما السُّنَّة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المؤمنون حسنًا فهو حسن عند الله"، انتهى.

قوله: "وقال النبي عليه الصلاة والسلام. . ." إلخ، هذا استدلال من المصنف على عدم الفرق بين ذي رحم وغيره، قلنا: إطلاق الأخت ههنا بطريق المجاز لا بطريق عدم الفرق، انتهى من "تقرير المكي".

والحاصل عند هذا العبد الضعيف: أن الإمام البخاري - رحمه الله - ذهب إلى تحقق الإكراه في تلك الأمور كلها، والحنفية فرّقوا بين شرب الخمر ونحوه، وبين العقود كالبيع والهبة، فلم يجوِّزوا النوع الأول مطلقًا سواء كان التهديد بقتل ذي رحم أو غيره؛ لأن هذه الأمور، أي: شرب الخمر ونحوه معصية بنفسها، فلا يجوز فعلها إلا إذا تحقق الإكراه والإلجاء، ولا يتحقق الإلجاء إلا بقتل نفسه، فهذا هو الجواب عن أحد الإيرادين، وأما النوع الثاني أعني البيع والهبة ونحوهما فقلنا بتحقق الإكراه فيهما في الجملة، أي: فيما إذا كان التهديد بقتل ذي الرحم لعدم وجود المعصية في هذه الأمور؛ لكونها مباحة في نفسها فينبغي له حينئذٍ أن يفعل وله الخيار بعد زوال الإكراه بحكم الاستحسان، كما هو حكم بيع المكره عندنا، وأما إذا كان التهديد بقتل الأجنبي فباع فلا يجوز له فسخ هذا البيع بعد زوال الإكراه، بل هو بيع بات لوجود الرضا، وذلك لأن الإكراه لا يتحقق بقتل


(١) "إرشاد الساري" (١٤/ ٤٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>