للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يا موسى! هذا هو إبراهيم الخليل بن تارح هو أبو إسحاق، وهو جد يعقوب، وهو إسرائيل أبونا.

فلما فرغوا من حديثهم خلابة فتى من قومه فقال لموسى: لولا أني أخاف لأخبرتك خبراً صادقاً إنك أنت الذي نرجوه، ولكنك من فرعون بمنزلة، وهو يحبك حباً شديداً. فقال له موسى: وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلهاً واحداً، لا أحلف بعزة فرعون المخلوق الضعيف إلا ما أخبرتني الخبر كله. فقال له الفتى: يا موسى! أشهد بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط أنك الذي نرجو وننتظر أن يهلك الله عدونا على يده ويفرج عنا به. قال له موسى: وإله بني إسرائيل إني لأحبكم حب الوالدة لودها وحب الأخ لأخيه؛ ولا يغرنكم حب فرعون إياي، فإن أكمن أنا ذاك أو غيري. قال: فلم يزل موسى يتآلفهم ويتآلف بهم ويتحدث معهم حتى صار موسى أحب إليهم من أبائهم وأمهاتهم، وصاروا إذا قعدوا ساعة كالغنم لا راعي لها. ثم إن موسى وأخاه ذلك الرجل في الله، وجرت بينهما المودة، ثم ثم إنه خلابه موسى لما أراد الله بذلك الفتى من السعادة، فأفشى إليه موسى سره وما هو عليه من يدنه، وأخذ عليه عهد الله وميثاقه ألا يخبر به أحداً حتى يظهر الله ذلك الأمر، فحلف الفتى بإله بني إسرائيل ليجتهدن في الأمر، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولو أحرقت بالنار.

فأنبت اله موسى نباتاً حسناً حتى بلغ أشده، فآتاه الله حكماً وعلماً - يعني فهماً في دينه ودين آبائه وشرائعهم - وصار لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، يقتدون برأيه ويجتمعون إليه، فلما عرف ما هو عليه من الحق، وبان له أم ر فرعون وما هو عليه من الباطل، وعرف عداوته له ولبني إسرائيل علم أن فراق فرعون خير له في دينه ودنياه وأخرته. فتكلم موسى بالحق وعاب المنكر، ولم يرض بالباطل والظلم والإشراك بالله، حتى ذكر ذلك منه في مدينة مصر، وما صنع بأهلها، وحتى علموا أن دينه ورأيه مخالف لهم؛ فلما اشتد عليهم أمر موسى رفعوا أمره إلى فرعون، فأمرهم فرعون أن لا يعرضوا له إلا

<<  <  ج: ص:  >  >>