للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقدس، واجتمع حولي الصوفية والحصاة في يدي أقلبها، فأخذها مني بعض الفقراء، وضرب بها الأرض، فتفتت، وخرج منها دودة صغيرة، ثم ضرب يده إلى ورقة فأخذها ووضعها على رأس الدودة، فلم تزل تسير حتى قورت الورقة وأنا أنظر إليها، فقلت: نعم يا سيدي، لم تطلعني على سبب مجاري الأرزاق إلا بعد حلق رأسي ولحيتي! قال محمد بن الهيثم: قلت لأبي جعفر الحداد: الناس يقولون: إنك أقمت في البادية سبعين يوماً ما أكلت فيها، ولا شربت، فحدثني؛ فقال: أنا معتمد التوكل، وأرى رزقي يجري على أيدي الناس. وكنت أريد أن يجيء به الجن أو الوحش، أو يخرج من الأرض، أو ينزل من السماء؛ فاعتقدت أني أدخل البادية، فإذا رأيت سواداً عدلت عنه. فأقمت أربعين يوماً ما أكلت، ولا شربت حتى ضعفت، فجئت إلى مصنع، فأخذت ماء، فغسلت وجهي ورجلي، واسترحت، ثم وجدت نصف دبة كان فيها قطران، قد مر عليها الحر والسيول، وقد استربت، فقمت، وأخذتها، وتركتها في حجري، ودققتها بين حجرين حتى صارت مثل السويق، فاستففتها، وشربت عليها الماء، فرجعت نفسي، فقمت، وطلبت السواد، فلما أشرفت عليهم ذبحوا وخبزوا، فأكلت واسترحت. ولم أزل أعدل إلى البوادي حتى أتيت مكة، وأقبل شعر رأسي ولحيتي يتناثر حتى دخلت مكة وأنا أقرع بغير لحة، وجلست في موضع، وأقبل الصوفية يذهبون ويجيئون، وينكرون، وبعضهم يقول: هو أبو جعفر، وبعضهم يقول: لا، حتى جاءني واحد منهم، فقال لي: أنت أبو جعفر الحداد؟ فقلت: نعم، فمضى وحشر علي الصوفية، وجلسوا حولي. فقال بعضهم، يا أبا جعفر، التوكل ما هو؟ فقلت: أيما أحب إليك؛ أصفه لك علماً، أو تراه حقيقة؟ فقال: أراه حقيقة، فقلت: حفل الرؤوس واللحى!

<<  <  ج: ص:  >  >>